محمد بن جرير الطبري
266
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
رواه الضحاك عن ابن عباس ؛ وذلك لما وصفنا من أن الهاء والأَلف في قوله : فَجَعَلْناها نَكالًا بأن تكون من ذكر العقوبة والمسخة التي مسخها القوم أولى منها بأن تكون من ذكر غيرها ، من أجل أن الله جل ثناؤه إنما يحذر خلقه بأسه وسطوته . وبذلك يخوفهم . وفي إبانته عز ذكره بقوله : نَكالًا أنه عنى به العقوبة التي أحلها بالقوم ما يعلم أنه عنى بقوله : فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها فجعلنا عقوبتنا التي أحللناها بهم عقوبة لما بين يديها وما خلفها ، دون غيره من المعاني . وإذا كانت الهاء والأَلف بأن تكون من ذكر المسخة والعقوبة أولى منها بأن تكون من ذكر غيرها ، فكذلك العائد في قوله : لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها من الهاء والأَلف أن يكون من ذكر الهاء والأَلف اللتين في قوله : فَجَعَلْناها أولى من أن يكون من غيره . فتأويل الكلام إذا كان الأَمر على ما وصفنا : فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ، فجعلنا عقوبتنا لهم عقوبة لما بين يديها من ذنوبهم السالفة منهم مسخنا إياهم وعقوبتنا لهم ، ولما خلف عقوبتنا لهم من أمثال ذنوبهم ، أن يعمل بها عامل ، فيمسخوا مثل ما مسخوا ، وأن يحل بهم مثل الذي حل بهم ؛ تحذيرا من الله تعالى ذكره عباده أن يأتوا من معاصيه مثل الذي أتى الممسوخون فيعاقبوا عقوبتهم . وأما الذي قال في تأويل ذلك : فَجَعَلْناها يعني الحيتان عقوبة لما بين يدي الحيتان من ذنوب القوم وما بعدها من ذنوبهم ، فإنه أبعد في الانتزاع ؛ وذلك أن الحيتان لم يجر لها ذكر فيقال : فَجَعَلْناها فإن ظن ظان أن ذلك جائز وإن لم يكن جرى للحيتان ذكر ، لأَن العرب قد تكني عن الاسم ولم يجر له ذكر ، فإن ذلك وإن كان كذلك ، فغير جائز أن يترك المفهوم من ظاهر الكتاب والمعقول به ظاهر في الخطاب والتنزيل إلى باطن لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل ولا خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم منقول ولا فيه من الحجة إجماع مستفيض . وأما تأويل من تأول ذلك : لما بين يديها من القرى وما خلفها ، فينظر إلى تأويل من تأول ذلك بما بين يدي الحيتان وما خلفها . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَوْعِظَةً . والموعظة مصدر من قول القائل : وعظت الرجل أعظه وعظا وموعظة : إذا ذكرته . فتأويل الآية : فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها ، وتذكرة للمتقين ، ليتعظوا بها ، ويعتبروا ، ويتذكروا بها ، كما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عثمان بن سعيد ، قال : ثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق عن الضحاك ، عن ابن عباس : وَمَوْعِظَةً يقول : وتذكرة وعبرة للمتقين . القول في تأويل قوله تعالى لِلْمُتَّقِينَ . وأما المتقون فهم الذين اتقوا بأداء فرائضه واجتناب معاصيه كما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عثمان بن سعيد ، قال : ثنا بشر بن عمارة ، قال : ثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ يقول : للمؤمنين الذين يتقون الشرك . ويعملون بطاعتي . فجعل تعالى ذكره ما أحل بالذين اعتدوا في السبت من عقوبته موعظة للمتقين خاصة وعبرة للمؤمنين دون الكافرين به إلى يوم القيامة . كالذي حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : حدثني ابن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، عن عبد الله بن عباس في قوله : وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ إلى يوم القيامة . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ . أي بعدهم . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد