محمد بن جرير الطبري

264

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

من ذلك بما أقر به ، ثم يسأل الفرق من خبر مستفيض أو أثر صحيح . هذا مع خلاف قول مجاهد قول جميع الحجة التي لا يجوز عليها الخطأ والكذب فيما نقلته مجمعة عليه ، وكفى دليلا على فساد قول إجماعها على تخطئته . القول في تأويل قوله تعالى : فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ . يعني بقوله : فَقُلْنا لَهُمْ أي فقلنا للذين اعتدوا في السبت ؛ يعني في يوم السبت . وأصل السبت الهدو السكون في راحة ودعة ، ولذلك قيل للنائم مسبوت لهدؤه وسكون جسده واستراحته ، كما قال جل ثناؤه : وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً أي راحة لأَجسادكم . وهو مصدر من قول القائل : سبت فلان يسبت سبتا . وقد قيل أنه السبت سمي سبتا لأَن الله جل ثناؤه فرغ يوم الجمعة ، وهو اليوم الذي قبله ، من خلق جميع خلقه . وقوله : كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ أي صيروا كذلك . والخاسئ : المعبد المطرود كما يخسأ الكلب ، يقال منه : خسأته أخسؤه خسأ وخسوءا ، وهو يخسأ خسوءا ، قال : ويقال خسأته فخسأ وانخسأ ، ومنه قول الراجز : كالكلب إن قلت له اخسأ انخسأ يعني إن طردته انطرد ذليلا صاغرا . فكذلك معنى قوله : كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ أي مبعدين من الخير أذلاء صغراء . كما : حدثنا بشار ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال ، حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ قال : صاغرين . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو أحمد ، قال : حدثنا سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد ، مثله . حدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : خاسِئِينَ قال : صاغرين . حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله : كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ أي أذلة صاغرين . وحدثت عن المنجاب ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : خاسئا : يعني ذليلا . القول في تأويل قوله تعالى : فَجَعَلْناها نَكالًا اختلف أهل التأويل في تأويل الهاء والأَلف في قوله : فَجَعَلْناها وعلام هي عائدة ، فروي عن ابن عباس فيها قولان : أحدهما ما : حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق عن الضحاك ، عن ابن عباس : فَجَعَلْناها فجعلنا تلك العقوبة وهي المسخة نكالآ . فالهاء والأَلف من قوله : فَجَعَلْناها على قول ابن عباس هذا كناية عن المسخة ، وهي " فعلة " مسخهم الله مسخة . فمعنى الكلام على هذا التأويل : فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ فصاروا قردة ممسوخين فَجَعَلْناها فجعلنا عقوبتنا ومسخنا إياهم نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ . والقول الآخر من قولي ابن عباس ما : حدثني به محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه جد سعد ، عن ابن عباس : فَجَعَلْناها يعني الحيتان . والهاء والأَلف على هذا القول من ذكر الحيتان ، ولم يجر لها ذكر . ولكن لما كان في الخبر دلالة كني عن ذكرها ، والدلالة على ذلك قوله : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ . وقال آخرون : فجعلنا القرية التي اعتدى أهلها في السبت . فالهاء والأَلف في قول هؤلاء كناية عن قرية القوم الذين مسخوا . وقال آخرون : معنى ذلك : فجعلنا القردة الذين مسخوا نكالا لما بين يديها وما خلفها ، فجعلوا الهاء والأَلف كناية عن