محمد بن جرير الطبري

259

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ما أوتوا بقوة . وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو ، قال حدثنا أسباط ، عن السدي : بِقُوَّةٍ يعني بجد واجتهاد . وحدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد وسألته عن قول الله : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ قال : خذوا الكتاب الذي جاء به موسى بصدق وبحق . فتأويل الآية إذا : خذوا ما اقترضناه عليكم في كتابنا من الفرائض فاقبلوه واعملوا باجتهاد منكم في أدائه من غير تقصير ولا توان . وذلك هو معنى أخذهم إياه بقوة بجد . القول في تأويل قوله تعالى ذكره : وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . قال أبو جعفر : يعني : واذكروا ما فيما آتيناكم من كتابنا من وعد ووعيد شديد وترغيب وترهيب ، فاتلوه واعتبروا به وتدبروه إذا فعلتم ذلك كي تتقوا وتخافوا عقابي بإصراركم على ضلالكم فتنتهوا إلى طاعتي وتنزعوا عما أنتم عليه من معصيتي . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنا ابن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة عن ابن عباس : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ قال : تنزعون عما أنتم عليه . والذي آتاهم الله هو التوراة . كما : حدثني المثنى ، قال حدثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : اذْكُرُوا ما فِيهِ يقول : اذكروا ما في التوراة . كما حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله : اذْكُرُوا ما فِيهِ يقول : أمروا بما في التوراة . وحدثني يونس ، قال أخبرنا ابن وهب ، قال سألت ابن زيد عن قول الله : وَاذْكُرُوا ما فِيهِ قال : اعملوا بما فيه طاعة لله وصدق ، قال : وقال أذكروا ما فيه لا تنسوه ولا تغفلوه . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ثم أعرضتم . وإنما هو " تفعلتم " من قولهم : ولاني فلان دبره : إذا استدبر عنه وخلفه خلف ظهره ، ثم يستعمل ذلك في كل تارك طاعة أمر بها عز وجل معرض بوجهه ، يقال : قد تولى فلان عن طاعة فلان ، وتولى عن مواصلته ، ومنه قول الله جل ثناؤه : فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ يعني بذلك : خالفوا ما كانوا وعدوا الله من قولهم : لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ونبذوا ذلك وراء ظهورهم ، ومن شأن العرب استعارة الكلمة ووضعها مكان نظيرها ، كما قال أبو ذؤيب الهذلي : فليس كعهد الدار يا أم مالك * ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل * سوى الحق شيئا واستراح العواذل يعني بقوله : " أحاطت بالرقاب السلاسل " ؛ أن الإِسلام صار في منعه إيانا ما كنا نأتيه في الجاهلية مما حرمه الله علينا في الإِسلام بمنزلة السلاسل المحيطة برقابنا التي تحول بين من كانت في رقبته مع الغل الذي في يده وبين ما حاول أن يتناوله . ونظائر ذلك في كلام العرب أكثر من أن تحصى ، فكذلك قوله : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ يعني بذلك أنكم تركتم العمل بما أخذنا ميثاقكم وعهودكم على العمل به بجد واجتهاد بعد إعطائكم ربكم المواثيق على العمل به والقيام بما أمركم به في كتابكم فنبذتموه وراء ظهوركم . وكنى بقوله جل ذكره : " ذلك " عن جميع ما قبله في الآية المتقدمة ، أعني قوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ . قال أبو