محمد بن جرير الطبري
251
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يعني بذلك : جاورت بهذا المكان هذه المرأة قوما عداة وأرضا بعيدة من أهله لمكان قربها كان منه ومن قومه وبلده من تربعها روض القطا وروض التناضب . فكذلك قوله : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ يقول : كان ذلك منا بكفرهم بآياتنا ، وجزاء لهم بقتلهم أنبياءنا . وقد بينا فيما مضى من كتابنا أن معنى الكفر : تغطية الشيء وستره ، وأن آيات الله : حججه وأعلامه وأدلته على توحيده وصدق رسله . فمعنى الكلام إذا : فعلنا بهم ذلك من أجل أنهم كانوا يجحدون حجج الله على توحيده ، وتصديق رسله ويدفعون حقيتها ، ويكذبون بها . ويعني بقوله : وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ويقتلون رسل الله الذين ابتعثهم لإِنباء ما أرسلهم به عنه لمن أرسلوا إليه . وهم النبيين جماع وأحدهم نبي ، غير مهموز ، وأصله الهمز ، لأَنه من أنبأ عن الله ، فهو ينبئ عنه إنباء ، وإنما الاسم منه منبئ ولكنه صرف وهو " مفعل " إلى " فعيل " ، كما صرف سميع إلى فعيل من مفعل ، وبصير من مبصر ، وأشباه ذلك ، وأبدل مكان الهمزة من النبيء الياء ، فقيل نبي . هذا ويجمع النبي أيضا على أنبياء ، وإنما جمعوه كدلك لإِلحاقهم النبيء بإبدال الهمزة منه ياء بالمنعوت التي تأتي على تقدير فعيل من ذوات الياء والواو . وذلك أنهم إذا أجمعوا ما كان من المنعوت على تقدير فعيل من ذوات الياء والواو جمعوه على أفعلاء ، كقولهم ولي وأولياء . ووصي وأوصياء . ودعى وأدعياء . ولو جمعوه على أصله الذي هو أصله . وعلى أن الواحد " نبيء " مهموز لجمعوه على فعلاء ، فقيل لهم النبآء ، على مثال النبغاء ، لأَن ذلك جمع ما كان على فعيل من غير ذوات الياء والواو من المنعوت كجمعهم الشريك شركاء ، والعليم علماء . والحكيم حكماء ، وما أشبه ذلك . وقد حكي سماعا من العرب في جمع النبي النبآء ، وذلك من لغة الذين يهمزون النبيء ، ثم يجمعونه على النبآء على ما قد بينت ، ومن ذلك قول عباس بن مرداس في مدح النبي صلى الله عليه وسلم : يا خاتم النبآء إنك مرسل * بالخبر كل هدى السبيل هداكا فقال : يا خاتم النبآء ، على أن واحدهم نبيء مهموز . وقد قال بعضهم : النبي والنبوة غير مهموز . لأَنهما مأخوذان من النبوة ، وهي مثل النجوة ، وهو المكان المرتفع . وكان يقول أن أصل النبي الطريق ، ويستشهد على ذلك ببيت القطامي : لما وردن نبيا واستتب بها * مسحنفر كخطوط السيح منسحل يقول : إنما سمى الطريق نبيا ، لأَنه ظاهر مستبين من النبوة . ويقول : لم أسمع أحدا يهمز النبي . قال : وقد ذكرنا ما في ذلك وبينا ما فيه الكفاية إن شاء الله . ويعني بقوله : وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ أنهم كانوا يقتلون رسل الله بغير أذن الله لهم بقتلهم منكرين رسالتهم جاحدين نبوتهم . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ وقوله : ذلِكَ رد على " ذلك " الأَولى . ومعنى الكلام : وضربت عليهم الذلة والمسكنة ، وباءوا بغضب من الله ، من أجل كفرهم بآيات الله ، وقتلهم النبيين بغير الحق ، من أجل عصيانهم ربهم ، واعتدائهم حدوده ؛ فقال جل ثناؤه : ذلِكَ بِما عَصَوْا والمعنى : ذلك بعصيانهم وكفرهم معتدين . والاعتداء : تجاوز الحد الذي حده الله لعباده إلى غيره ، وكل