محمد بن جرير الطبري
248
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : الَّذِي هُوَ أَدْنى قال : أردأ . القول في تأويل قوله تعالى ذكره : اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وتأويل ذلك : فدعا موسى فاستجبنا له ، فقلنا لهم : اهبطوا مصرا . وهو من المحذوف الذي اجتزئ بدلالة ظاهره على ذكر ما حذف وترك منه . وقد دللنا فيما مضى على أن معنى الهبوط إلى المكان إنما هو النزول إليه والحلول به . فتأويل الآية إذا : وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قال لهم موسى : أتستبدلون الذي هو أخس وأردأ من العيش بالذي هو خير منه ؟ فدعا لهم موسى ربه أن يعطيهم ما سألوه ، فاستجاب الله له دعاءه ، فأعطاهم ما طلبوا ، وقال الله لهم : اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ . ثم اختلف القراء في قراءة قوله : مِصْراً فقرأه عامة القراء : " مصرا " بتنوين المصر وإجرائه ؛ وقرأه بعضهم بترك التنوين وحذف الأَلف منه . فأما الذين نونوه وأجروه ، فإنهم عنوا به مصرا من الأَمصار لا مصرا بعينه ، فتأويله على قراءتهم : اهبطوا مصرا من الأَمصار ، لأَنكم في البدو ، والذي طلبتم لا يكون في البوادي والفيافي ، وإنما يكون في القرى والأَمصار ، فإن لكم إذا هبطتموه ما سألتم من العيش . وقد يجوز أن يكون بعض من قرأ ذلك بالإِجراء والتنوين ، كان تأويل الكلام عنده : اهبطوا مصرا البلدة التي تعرف بهذا الاسم وهي " مصر " التي خرجوا عنها ، غير أنه أجراها ونونها اتباعا منه خط المصحف ، لأَن في المصحف ألفا ثابتة في مصر ، فيكون سبيل قراءته ذلك بالإِجراء والتنوين سبيل من قرأ : قَوارِيرَا قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ منونة اتباعا منه خط المصحف . وأما الذي لم ينون مصر فإنه لا شك أنه عنى مصر التي تعرف بهذا الاسم بعينها دون سائر البلدان غيرها . وقد اختلف أهل التأويل في ذلك نظير اختلاف القراء في قراءته . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة : اهْبِطُوا مِصْراً أي مصرا من الأَمصار فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ . وحدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : اهْبِطُوا مِصْراً من الأَمصار ، فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ فلما خرجوا من التيه رفع المن والسلوى وأكلوا البقول . وحدثني المثنى ، قال : حدثني آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن قتادة في قوله : اهْبِطُوا مِصْراً قال : يعني مصرا من الأَمصار . وحدثنا القاسم بن الحسن ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : اهْبِطُوا مِصْراً قال : مصرا من الأَمصار ، زعموا أنهم لم يرجعوا إلى مصر . حدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : اهْبِطُوا مِصْراً قال : مصرا من الأَمصار . ومصر لا تجري في الكلام ، فقيل : أي مصر ؟ فقال : الأَرض المقدسة التي كتب الله لهم . وقرأ قول الله جل ثناؤه : ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وقال آخرون : هي مصر التي كان فيها فرعون . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، ثنا آدم ، ثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : اهْبِطُوا مِصْراً قال : يعني به مصر فرعون . حدثنا عن عمار بن الحسن ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبي جعفر ، عن الربيع ، مثله . ومن حجة من قال : إن الله جل ثناؤه إنما عنى بقوله : اهْبِطُوا مِصْراً مصرا من الأَمصار دون مصر فرعون بعينها ، أن الله حمل أرض الشام لبني إسرائيل