محمد بن جرير الطبري

231

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

إذا أثارها من مبركها للسير ، كما قال الشاعر : فأبعثها وهي صنيع حول * كركن الرعن ذعلبة وقاحا والرعن : منقطع أنف الجبل ، والذعلبة : الخفيفة ، والوقاح ، الشديدة الحافر أو الخف . ومن ذلك قيل : بعثت فلانا لحاجتي : إذا أقمته من مكانه الذي هو فيه للتوجه فيها . ومن ذلك قيل ل يوم القيامة : يوم البعث ، لأَنه يوم يثار الناس فيه من قبورهم لموقف الحساب . يعني بقوله : مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ من بعد موتكم بالصاعقة التي أهلكتكم . وقوله : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يقول : فعلنا بكم ذلك لتشكروني على ما أوليتكم من نعمتي عليكم بإحيائي إياكم استبقاء مني لكم لتراجعوا التوبة من عظيم ذنبكم بعد إحلالي العقوبة بكم بالصاعقة التي أحللتها بكم ، فأماتتكم بعظيم خطئكم الذي كان منكم فيما بينكم وبين ربكم . وهذا القول على تأويل من تأول قوله قول ثُمَّ بَعَثْناكُمْ ثم أحييناكم . وقال آخرون : معنى قوله : ثُمَّ بَعَثْناكُمْ أي بعثناكم أنبياء . حدثني بذلك موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي . قال أبو جعفر : وتأويل الكلام على ما تأوله السدي : فأخذتكم الصاعقة ، ثم أحييناكم من بعد موتكم ، وأنتم تنظرون إلى إحيائنا إياكم من بعد موتكم ، ثم بعثناكم أنبياء لعلكم تشكرون . وزعم السدي أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير ، والمؤخر الذي معناه التقديم . حدثنا بذلك موسى ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي . هذا تأويل يدل ظاهر التلاوة على خلافه مع إجماع أهل ألتأويل على تخطئته . والواجب على تأويل السدي الذي حكيناه عنه أن يكون معنى قوله : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ تشكروني على تصييري إياكم أنبياء . وكان سبب قيلهم لموسى ما أخبر الله جل وعز عنهم أنهم قالوا له من قولهم : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ، ما : حدثنا به محمد بن حميد ، قال : ثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، قال : لما رجع موسى إلى قومه ، ورأى ما هم فيه من عبادة العجل ، وقال لأَخيه وللسامري ما قال ، وحرق العجل وذراه في اليم ؛ اختار موسى منهم سبعين رجلا الخير فالخير ، وقال : انطلقوا إلى الله عز وجل ، فتوبوا إليه مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم ، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه ، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم . فقال له السبعون فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا للقاء الله : يا موسى أطلب لنا إلى ربك لنسمع كلام ربنا فقال : أفعل . فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله ، ودنا موسى فدخل فيه ، وقال للقوم : ادنوا . وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه ، فضرب دونه الحجاب . ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا ، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه : أفعل ولا تفعل . فلما فرغ من أمره وانكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا لموسى : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فأخذتهم الرجفة ، وهي الصاعقة فماتوا جميعا . وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ، ويرغب إليه ويقول : رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ قد سفهوا ، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما تفعل السفهاء منا ؟ أي أن هذا لهم هلاك ، اخترت منهم سبعين رجلا ، الخير فالخير أرجع إليهم ، وليس معي منهم رجل واحد ، فما الذي يصدقوني به أو