محمد بن جرير الطبري

229

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

جل ثناؤه : وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ قال : فقتلاهم شهداء ، وتيب على أحيائهم . وقرأ : فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . فالذي ذكرنا عمن روينا عنه الأَخبار التي رويناها كان توبة القوم من الذنب الذي أتوه فيما بينهم وبين ربهم بعبادتهم العجل مع ندمهم على ما سلف منهم من ذلك . وأما معنى قوله : فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فإنه يعني به : أرجعوا إلى طاعة خالقكم وإلى ما يرضيه عنكم . كما : حدثني به المثنى بن إبراهيم قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ أي إلى خالقكم . وهو من برأ الله الخلق يبرؤه فهو بارئ . والبرية : الخلق ، وهي فعيلة بمعنى مفعولة ، غير أنها لا تهمز كما لا يهمز ملك ، وهو من " لأَك " ، لكنه جرى بترك الهمزة ، كذلك قال نابغة بني ذبيان : إلا سليمان إذ قال المليك له * قم في البرية فاحددها عن الفند وقد قيل : إن البرية إنما لم تهمز لأَنها فعيلة من البرى ، والبرى : التراب . فكأن تأويله على قول من تأوله كذلك أنه مخلوق من التراب . وقال بعضهم : إنما أخذت البرية من قولك بريت العود ، فلذلك لم يهمز . قال أبو جعفر : وترك الهمز من بارئكم جائز ، والإِبدال منها جائز ، فإذ كان ذلك جائزا في باريكم فغير مستنكر أن تكون البرية من برى الله الخلق بترك الهمزة . وأما قوله : ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فإنه يعني بذلك توبتكم بقتلكم أنفسكم وطاعتكم ربكم خير لكم عند بارئكم ؛ لأَنكم تنجون بذلك من عقاب الله في الآخرة على ذنبكم ، وتستوجبون به الثواب منه . وقوله : فَتابَ عَلَيْكُمْ أي بما فعلتم مما أمركم به من قتل بعضكم بعضا . وهذا من المحذوف الذي استغني بالظاهر منه عن المتروك ، لأَن معنى الكلام : فتوبوا إلى بارئكم ، فاقتلوا أنفسكم ، ذلكم خير لكم عند بارئكم ، فتبتم فتاب عليكم . فترك ذكر قوله " فتبتم " إذ كان في قوله : فَتابَ عَلَيْكُمْ دلالة بينة على اقتضاء الكلام فتبتم . ويعني بقوله : فَتابَ عَلَيْكُمْ رجع لكم وبكم إلى ما أحببتم من العفو عن ذنوبكم ، وعظيم ما ركبتم ، والصفح عن جرمكم . إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ يعني الراجع لمن أناب إليه بطاعته إلى ما يحب من العفو عنه . ويعني بالرحيم : العائد إليه برحمته المنجية من عقوبته . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً وتأويل ذلك : واذكروا أيضا إذ قلتم : يا موسى لن نصدقك ولن نقر بما جئتنا به حتى نرى الله جهره عيانا ، برفع الساتر بيننا وبينه ، وكشف الغطاء دوننا ودونه حتى ننظر إليه بأبصارنا ، كما تجهر الركية ، وذلك إذا كان ماؤها قد غطاه الطين ، فنفى ما قد غطاه حتى ظهر الماء وصفا ، الجهر يقال منه : قد جهرت الركية أجهرها جهرا وجهرة ؛ ولذلك قيل : قد جهر فلان بهذا الأَمر مجاهره وجهارا : إذا أظهره لرأي العين وأعلنه ، كما قال الفرزدق بن غالب : من اللائي يضل الأَلف منه * مسحا من مخافته جهارا وكما حدثنا به القاسم بن الحسن ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً قال : علانية . وحدثنا عن عمارة بن الحسن قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر