محمد بن جرير الطبري

226

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ قال : الكتاب : هو الفرقان ، فرقان بين الحق والباطل . حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . وحدثني القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ قال : الكتاب : هو الفرقان ، فرق بين الحق والباطل . حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، قال : وقال ابن عباس : الفرقان : جماع اسم التوراة والإِنجيل والزبور والفرقان . وقال ابن زيد في ذلك بما : حدثني به يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سألته ، يعني ابن زيد ، عن قول الله عز وجل : وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ فقال : أما الفرقان الذي قال الله جل وعز : يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فذلك يوم بدر ، يوم فرق الله بين الحق والباطل ، والقضاء الذي فرق به بين الحق والباطل . قال : فكذلك أعطى الله موسى الفرقان ، فرق الله بينهم ، وسلمه الله وأنجاه فرق بينهم بالنصر ، فكما جعل الله ذلك بين محمد والمشركين ، فكذلك جعله بين موسى وفرعون . قال أبو جعفر : وأولى هذين التأويلين بتأويل الآية ما روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد ، من أن الفرقان الذي ذكر الله أنه آتاه موسى في هذا الموضع هو الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل ، وهو نعت للتوراة وصفة لها . فيكون تأويل الآية حينئذ : وإذ آتينا موسى التوراة التي كتبناها له في الأَلواح ، وفرقنا بها بين الحق والباطل . فيكون الكتاب نعتا للتوراة أقيم مقامها استغناء به عن ذكر التوراة ، ثم عطف عليه بالفرقان ، إذ كان من نعتها . وقد بينا معنى الكتاب فيما مضى من كتابنا هذا ، وأنه بمعنى المكتوب . وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالآية وإن كان محتملا غيره من التأويل ، لأَن الذي قبله ذكر الكتاب ، وأن معنى الفرقان الفصل ، وقد دللنا على ذلك فيما مضى من كتابنا هذا ، فإلحاقه إذ كان كذلك بصفة ما وليه أولى من إلحاقه بصفة ما بعد منه . وأما تأويل قوله : لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ فنظير تأويل قوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ومعناه لتهتدوا . وكأنه قال : واذكروا أيضا إذ آتينا موسى التوراة التي تفرق بين الحق والباطل لتهتدوا بها وتتبعوا الحق الذي فيها لأَني جعلتها كذلك هدى لمن اهتدى بها واتبع ما فيها . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ . . . ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ تأويل ذلك اذكروا أيضا إذ قال موسى لقومه من بني إسرائيل : يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم . وظلمهم إياها كان فعلهم بها ما لم يكن لهم أن يفعلوه بها مما أوجب لهم العقوبة من الله تعالى ، وكذلك كل فاعل فعلا يستوجب به العقوبة من الله تعالى فهو ظالم لنفسه بإيجابه العقوبة لها من الله تعالى . وكان الفعل الذي فعلوه فظلموا به أنفسهم ، هو ما أخبر الله عنهم من ارتدادهم باتخاذهم العجل ربا بعد فراق موسى إياهم ، ثم أمرهم موسى بالمراجعة من ذنبهم والإِنابة إلى الله من ردتهم بالتوبة إليه ، والتسليم لطاعته فيما أمرهم به وأخبرهم