محمد بن جرير الطبري
222
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
هو ما كان بمعنى الوعد الذي هو خلاف الوعيد . القول في تأويل قوله تعالى : مُوسى وموسى فيما بلغنا بالقبطية كلمتان ، يعني بهما : ماء وشجر ، فمو : هو الماء ، وسا : هو الشجر . وإنما سمي بذلك فيما بلغنا ، لأَن أمه لما جعلته في التابوت حين خافت عليه من فرعون وألقته في اليم كما أوحى الله إليها وقيل : إن اليم الذي ألقته فيه هو النيل دفعته أمواج اليم ، حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون ، فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن ، فوجدن التابوت ، فأخذنه ، فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه . وكان ذلك المكان فيه ماء وشجر ، فقيل : موسى ماء وشجر . كذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، عن أسباط بن نصر ، عن السدي . وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله ، فيما زعم ابن إسحاق . حدثني بذلك ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل عنه ابن إسحاق . القول في تأويل قوله عز وجل : أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ومعنى ذلك وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً بتمامها ، فالأَربعون ليلة كلها داخلة في الميعاد . وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معناه : وإذ واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة أي رأس الأَربعين ، ومثل ذلك بقوله : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ وبقولهم اليوم أربعون منذ خرج فلان ، واليوم يومان ، أي اليوم تمام يومين وتمام أربعين . وذلك خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويل وخلاف ظاهر التلاوة ، فأما ظاهر التلاوة ، فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أنه واعد موسى أربعين ليلة ، فليس لأَحد إحالة ظاهر خبره إلى باطن بغير برهان دال على صحته . وأما أهل التأويل فإنهم قالوا في ذلك ما أنا ذاكره ، وهو ما : حدثني به المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية قوله : وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً قال : يعني ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة . وذلك حين خلف موسى أصحابه ، واستخلف عليهم هارون ، فمكث على الطور أربعين ليلة ، وأنزل عليه التوراة في الأَلواح ، وكانت الأَلواح من زبرجد . فقربه الرب إليه نجيا ، وكلمه ، وسمع صريف القلم . وبلغنا أنه لم يحدث حدثا في الأَربعين ليلة حتى هبط من الطور . وحدثت عن عمار بن الحسن ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، بنحوه . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن ابن إسحاق ، قال : وعد الله موسى حين أهلك فرعون وقومه ، ونجاه وقومه ثلاثين ليلة ، ثم أتمها بعشر ، فتم ميقات ربه أربعين ليلة ، تلقاه ربه فيها بما شاء . واستخلف موسى هارون على بني إسرائيل ، وقال : إني متعجل إلى ربي فاخلفني في قومي ولا تتبع سبيل المفسدين فخرج موسى إلى ربه متعجلا للقائه شوقا إليه ، وأقام هارون في بني إسرائيل ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به . حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط عن السدي ، قال : انطلق موسى واستخلف هارون على بني إسرائيل ، وواعدهم ثلاثين ليلة وأتمها الله بعشر . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ وتأويل قوله : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ ثم اتخذتم في أيام مواعدة موسى العجل إلها من بعد أن فارقكم موسى متوجها إلى الموعد . والهاء في قوله " من بعده " عائدة على ذكر موسى . فأخبر جل ثناؤه المخالفين نبينا صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل