محمد بن جرير الطبري

214

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يقال منه : سامه خطة ضيم : إذا أولاه ذلك وأذاقه ، كما قال الشاعر : إن سيم خسفا وجهه تربدا فأما تأويل قوله : سُوءَ الْعَذابِ فإنه يعني : ما ساءهم من العذاب . وقد قال بعضهم : أشد العذاب ؛ ولو كان ذلك معناه لقيل : أسوأ العذاب . فإن قال لنا قائل : وما ذلك العذاب الذي كانوا يسومونهم الذي كان يسوءهم ؟ قيل : هو ما وصفه الله تعالى في كتابه فقال : يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وقد قال محمد بن إسحاق في ذلك ما : حدثنا به ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : أخبرنا ابن إسحاق ، قال : كان فرعون يعذب بني إسرائيل فيجعلهم خدما وخولا ، وصنفهم في أعماله ، فصنف يبنون ، وصنف يزرعون له ، فهم في أعماله ، ومن لم يكن منهم في صنعة من عمله فعليه الجزية ، فسامهم كما قال الله عز وجل : سُوءَ الْعَذابِ وقال السدي : جعلهم في الأَعمال القذرة ، وجعل يقتل أبناءهم ، ويستحيي نساءهم . حدثني بذلك موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط عن السدي . القول في تأويل قوله تعالى : يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ قال أبو جعفر : وأضاف الله جل ثناؤه ما كان من فعل آل فرعون ببني إسرائيل من سومهم إياهم سوء العذاب وذبحهم أبناءهم واستحيائهم نساءهم إليهم دون فرعون ، وإن كان فعلهم ما فعلوا من ذلك كان بقوة فرعون وعن أمره ، لمباشرتهم ذلك بأنفسهم . فبين بذلك أن كل مباشر قتل نفس أو تعذيب حي بنفسه وإن كان عن أمر غيره ، ففاعله المتولي ذلك هو المستحق إضافة ذلك إليه ، وإن كان الآمر قاهرا الفاعل المأمور بذلك سلطانا كان الآمر أو لصا خاربا أو متغلبا فاجرا ، كما أضاف جل ثناؤه ذبح أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم إلى آل فرعون دون فرعون ، وإن كانوا بقوة فرعون وأمره إياهم بذلك فعلوا ما فعلوا مع غلبته إياهم وقهره لهم . فكذلك كل قاتل نفسا بأمر غيره ظلما فهو المقتول عندنا به قصاصا ، وإن كان قتله إياها بإكراه غيره على قتله التسبيب في القتل . وأما تأويل ذبحهم أبناء بني إسرائيل ، واستحيائهم نساءهم ، فإنه كان فيما ذكر لنا عن ابن عباس وغيره كالذي : حدثنا به العباس بن الوليد الآملي وتميم بن المنتصر الواسطي ، قالا : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا الأَصبغ بن زيد ، قال : حدثنا القاسم بن أيوب ، قال : حدثنا سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم خليله أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا وائتمروا ، وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار ، يطوفون في بني إسرائيل ، فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه ، ففعلوا . فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم ، وأن الصغار يذبحون ، قال : توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأَعمال والخدمة ما كانوا يكفونكم ، فاقتلوا عاما كل مولود ذكر فتقل أبناؤهم ودعوا عاما . فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان ، فولدته علانية أمه ، حتى إذا كان القابل حملت بموسى . وقد حدثنا عبد الكريم بن الهيثم ، قال : حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، قال : حدثنا أبو سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قالت الكهنة لفرعون : إنه يولد في هذه العام مولود يذهب بملكك . قال : فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل ، وعلى كل مائة عشرة ، وعلى كل عشرة رجلا ؛ فقال : انظروا كل