محمد بن جرير الطبري

200

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عندي وعندكم من العلم به ما ليس عند غيركم . وكفرهم به : جحودهم أنه من عند الله ، والهاء التي في " به " من ذكر " ما " التي مع قوله : وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ كما : حدثني القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا حجاج ، قال : قال ابن جريج في قوله : وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ بالقرآن . قال أبو جعفر : وروي عن أبي العالية في ذلك ما : حدثني به المثنى ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ يقول : لا تكونوا أول من كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم . وقال بعضهم : وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ يعني بكتابكم ، ويتأول أن في تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم تكذيبا منهم بكتابهم ؛ لأَن في كتابهم الأَمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم . وهذان القولان ، من ظاهر ما تدل عليه التلاوة بعيدان . وذلك أن الله جل ثناؤه أمر المخاطبين بهذه الآية في أولها بالإِيمان بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال جل ذكره : وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ ومعقول أن الذي أنزله الله في عصر محمد صلى الله عليه وسلم هو القرآن لا محمد ، لأَن محمدا صلوات الله عليه رسول مرسل لا تنزيل منزل ، والمنزل هو الكتاب . ثم نهاهم أن يكونوا أول من يكفر بالذي أمرهم بالإِيمان به في أول الآية من أهل الكتاب . فذلك هو الظاهر المفهوم ، ولم يجر لمحمد صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ذكر ظاهر فيعاد عليه بذكره مكنيا في قوله : وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وإن كان غير محال في الكلام أن يذكر مكني اسم لم يجر له ذكر ظاهر في الكلام . وكذلك لا معنى لقول من زعم أن العائد من الذكر في " به " على " ما " التي في قوله : لِما مَعَكُمْ لأَن ذلك وإن كان محتملا ظاهر الكلام فإنه بعيد مما يدل عليه ظاهر التلاوة والتنزيل ، لما وصفنا قبل من أن المأمور بالإِيمان به في أول الآية هو القرآن ، فكذلك الواجب أن يكون المنهي عن الكفر به في آخرها هو القرآن . وأما أن يكون المأمور بالإِيمان به غير المنهي عن الكفر به في كلام واحد وآية واحدة ، فذلك غير الأَشهر الأَظهر في الكلام ، هذا مع بعد معناه في التأويل . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك : فحدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا يقول : لا تأخذوا عليه أجرا . قال : هو مكتوب عندهم في الكتاب الأَول : يا ابن آدم علم مجانا كما علمت مجانا . وقال آخرون بما : حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا يقول : لا تأخذوا طعما قليلا وتكتموا اسم الله . فذلك الطعم هو الثمن . فتأويل الآية إذا : لا تبيعوا ما آتيتكم من العلم بكتابي وآياته بثمن خسيس وعرض من الدنيا قليل . وبيعهم إياه تركهم إبانة ما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم للناس ، وأنه مكتوب فيه أنه النبي الأَمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإِنجيل بثمن قليل ، وهو رضاهم بالرياسة