محمد بن جرير الطبري

195

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

تلقاهن منه وندمه على سالف الذنب منه . والذي يدل عليه كتاب الله أن الكلمات التي تلقاهن آدم من ربه هن الكلمات التي أخبر الله عنه أنه قالها متنصلا بقيلها إلى ربه معترفا بذنبه ، وهو قوله : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ وليس ما قاله من خالف قولنا هذا من الأَقوال التي حكيناها بمدفوع قوله ، ولكنه قول لا شاهد عليه من حجة يجب التسليم لها فيجوز لنا إضافته إلى آدم ، وأنه مما تلقاه من ربه عند إنابته إليه من ذنبه . وهذا الخبر الذي أخبر الله عن آدم من قيله الذي لقاه إياه فقاله تائبا إليه من خطيئته ، تعريف منه جل ذكره جميع المخاطبين بكتابه كيفية التوبة إليه من الذنوب ، وتنبيه للمخاطبين بقوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ على موضع التوبة مما هم عليه من الكفر بالله ، وأن خلاصهم مما هم عليه مقيمون من الضلالة نظير خلاص أبيهم آدم من خطيئته مع تذكيره إياهم من السالف إليهم من النعم التي خص بها أباهم آدم وغيره من آبائهم . القول في تأويل قوله تعالى : فَتابَ عَلَيْهِ قال أبو جعفر : وقوله : فَتابَ عَلَيْهِ يعني على آدم ، والهاء التي في " عليه " عائدة على " آدم " . وقوله : فَتابَ عَلَيْهِ يعني رزقه التوبة من خطيئته . والتوبة معناها الإِنابة إلى الله والأَوبة إلى طاعته مما يكره من معصيته القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً قال أبو جعفر وتأويل قوله : إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ أن الله جل ثناؤه هو التواب على من تاب إليه من عباده المذنبين من ذنوبه التارك مجازاته بإنابته إلى طاعته بعد معصيته بما سلف من ذنبه . وقد ذكرنا أن معنى التوبة من العبد إلى ربه : إنابته إلى طاعته ، وأوبته إلى ما يرضيه بتركه ما يسخطه من الأَمور التي كان عليها مقيما مما يكرهه ربه ، فكذلك توبة الله على عبده هو أن يرزقه ذلك ، ويتوب من غضبه عليه إلى الرضا عنه ، ومن العقوبة إلى العفو والصفح عنه . وأما قوله : الرَّحِيمُ فإنه يعني أنه المتفضل عليه مع التوبة بالرحمة ، ورحمته إياه إقالة عثرته وصفحه عن عقوبة جرمه . وقد ذكرنا القول في تأويل قوله : قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فيما مضى فلا حاجة بنا إلى إعادته إذ كان معناه في هذا الموضع هو معناه في ذلك الموضع . وقد : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا إسماعيل بن سالم ، عن أبي صالح في قوله : اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً قال : آدم ، وحواء ، والحية ، وإبليس . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً قال أبو جعفر : وتأويل قوله : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ فإن يأتكم ، و " ما " التي مع " إن " توكيد للكلام ، ولدخولها مع " إن " أدخلت النون المشددة في " يأتينكم " تفرقة بدخولها بين " ما " التي تأتي بمعنى توكيد الكلام التي تسميها أهل العربية صلة وحشوا ، وبين " ما " التي تأتي بمعنى " الذي " ، فتؤذن بدخولها في الفعل ، أن " ما " التي مع " إن " التي بمعنى الجزاء توكيد ، وليست " ما " التي بمعنى " الذي " . وقد قال بعض نحويي البصريين : إن " إما " ، " إن " زيدت معها " ما " ، وصار الفعل الذي بعده بالنون الخفيفة أو الثقيلة ، وقد يكون بغير نون . وإنما حسنت فيه النون لما دخلته " ما " ، لأَن " ما " نفي ، فهي مما ليس بواجب ، وهي الحرف الذي ينفي الواجب ، فحسنت فيه النون ، نحو قولهم : " بعين ما أرينك " حين أدخلت فيها " ما " حسنت النون فيما هنا . وقد أنكر جماعة من أهل العربية دعوى قائلي هذه المقالة أن " ما " التي مع " بعين ما أرينك " بمعنى الجحد ، وزعموا أن ذلك بمعنى التوكيد للكلام . وقال آخرون : بل هو حشو في الكلام ، ومعناها الحذف ، وإنما معنى الكلام : بعين أراك ، وغير جائز أن يجعل مع الاختلاف فيه أصلا يقاس عليه غيره . القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ قال أبو جعفر : والهدى في هذا الموضع البيان والرشاد ، كما : حدثنا المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا آدم العسقلاني قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله :