محمد بن جرير الطبري

185

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الشجرة التي نهاهما عن الأَكل منها وأشار لهما إليها بقوله : وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ ولم يضع الله جل ثناؤه لعباده المخاطبين بالقرآن دلالة على أي أشجار الجنة كان نهيه آدم أن يقربها بنص عليها باسمها ولا بدلالة عليها . ولو كان لله في العلم بأي ذلك من أي رضا لم يخل عباده من نصب دلالة لهم عليها يصلون بها إلى معرفة عينها ، ليطيعوه بعلمهم بها ، كما فعل ذلك في كل ما بالعلم به له رضا . فالصواب في ذلك أن يقال : إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها ، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه ، فأكلا منها كما وصفهما الله جل ثناؤه به . ولا علم عندنا أي شجرة كانت على التعيين ، لأَن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن ولا في السنة الصحيحة ، فأنى يأتي ذلك من أتى ؟ وقد قيل : كانت شجرة البر . وقيل : كانت شجرة العنب . وقيل : كانت شجرة التين . وجائز أن تكون واحدة منها ، وذلك إن علمه عالم لم ينفع العالم به علمه ، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ قال أبو جعفر : اختلف أهل العربية في تأويل قوله : وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ فقال بعض نحويي الكوفيين : تأويل ذلك : وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فإنكما إن قربتماها كنتما من الظالمين . فصار الثاني في موضع جواب الجزاء ، وجواب الجزاء يعمل فيه أوله كقولك : إن تقم أقم ، فتجزم الثاني بجزم الأَول . فكذلك قوله : فَتَكُونا لما وقعت الفاء في موضع شرط الأَول نصب بها ، وصيرت بمنزلة " كي " في نصبها الأَفعال المستقبلة للزومها الاستقبال ، إذ كان أصل الجزاء الاستقبال . وقال بعض نحويي أهل البصرة : تأويل ذلك : لا يكن منكما قرب هذه الشجرة فأن تكونا من الظالمين . غير أنه زعم أن " أن " غير جائز إظهارها مع " لا " ، ولكنها مضمرة لا بد منها ليصح الكلام بعطف اسم وهي " أن " على الاسم ، كما غير جائز في قولهم " عسى أن يفعل " : عسى الفعل ، ولا في قولك : " ما كان ليفعل " : ما كان لأَن يفعل . وهذا القول الثاني يفسده إجماع جميعهم على تخطئة قول القائل : سرني تقوم يا هذا ، وهو يريد : سرني قيامك . فكذلك الواجب أن يكون خطأ على هذا المذهب قول القائل : لا تقم ، إذا كان المعنى : لا يكن منك قيام . وفي إجماع جميعهم على صحة قول القائل : لا تقم ، وفساد قول القائل : سرني تقوم بمعنى سرني قيامك ، الدليل الواضح على فساد دعوى المدعي أن مع " لا " التي في قوله : وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ ضمير " أن " ، وصحة القول الآخر . وفي قوله : فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ وجهان من التأويل : أحدهما أن يكون " فتكونا " في نية العطف على قوله : وَلا تَقْرَبا فيكون تأويله حينئذ : ولا تقربا هذه الشجرة ، ولا تكونا من الظالمين . فيكون " فتكونا " حينئذ في معنى الجزم مجزوم بما جزم به وَلا تَقْرَبا ، كما يقول القائل : لا تكلم عمرا ولا تؤذه ، وكما قال امرؤ القيس : فقلت له صوب ولا تجهدنه * فيذرك من أخرى القطاة فتزلق فجزم " فيذرك " بما جزم به " لا تجهدنه " ، كأنه كرر النهي . والثاني أن يكون : فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ بمعنى جواب النهي ، فيكون تأويله حينئذ : لا تقربا هذه الشجرة ، فإنكما إن قربتماها كنتما من الظالمين ؛ كما تقول : لا تشتم عمرا فيشتمك مجازاة . فيكون " فتكونا " حينئذ في موضع نصب إذ كان حرفا