محمد بن جرير الطبري

180

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

نار ، ولم يخبر عن الملائكة أنه خلقها من شيء من ذلك . وأن الله جل ثناؤه أخبر أنه من الجن . فقالوا : فغير جائز أن ينسب إلى غير ما نسبه الله إليه . قالوا : ولإِبليس نسل وذرية ، والملائكة لا تتناسل ولا تتوالد . حدثنا محمد بن سنان القزاز ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن شريك عن رجل عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : إن الله خلق خلقا ، فقال : اسجدوا لآدم فقالوا : لا نفعل . فبعث الله عليهم نارا تحرقهم . ثم خلق خلقا آخر ، فقال : إني خالق بشرا من طين ، اسجدوا لآدم فأبوا ، فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم . قال : ثم خلق هؤلاء ، فقال : اسجدوا لآدم فقالوا : نعم . وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم . قال أبو جعفر : وهذه علل تنبئ عن ضعف معرفة أهلها . وذلك أنه غير مستنكر أن يكون الله جل ثناؤه خلق أصناف ملائكته من أصناف من خلقه شتى ، فخلق بعضا من نور . وبعضا من نار ، وبعضا مما شاء من غير ذلك . وليس فيما نزل الله جل ثناؤه الخبر عما خلق منه ملائكته وإخباره عما خلق منه إبليس ما يوجب أن يكون إبليس خارجا عن معناهم ، إذ كان جائزا أن يكون خلق صنفا من ملائكته من نار كان منهم إبليس ، وأن يكون أفرد إبليس بان خلقه من نار السموم دون سائر ملائكته . وكذلك غير مخرجه أن يكون كان من الملائكة بأن كان له نسل وذرية لما ركب فيه من الشهوة واللذة التي نزعت من سائر الملائكة لما أراد الله به من المعصية . وأما خبر الله عنه أنه من الجن ، فغير مدفوع أن يسمى ما اجتن من الأَشياء عن الأَبصار كلها جنا ، كما قد ذكرنا قبل في شعر الأَعشى ، فيكون إبليس والملائكة منهم لاجتنانهم عن أبصار بني آدم . القول في معنى إبليس . قال أبو جعفر : وإبليس " إفعيل " من الإِبلاس : وهو الإِياس من الخير والندم والحزن . كما : حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : إبليس أبلسه الله من الخير كله وجعله شيطانا رجيما عقوبة لمعصيته . وحدثنا موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط عن السدي ، قال : كان اسم إبليس الحارث ، وإنما سمي إبليس حين أبلس متحيرا . قال أبو جعفر : وكما قال الله جل ثناؤه : فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ يعني به أنهم آيسون من الخير ، نادمون حزنا ، كما قال العجاج : يا صاح هل تعرف رسما مكرسا * قال نعم أعرفه وأبلسا وقال رؤبة : وحضرت يوم الخميس الأَخماس * وفي الوجوه صفرة وإبلاس يعني به اكتئابا وكسوفا . فإن قال لنا قائل : فإن كان إبليس كما قلت " إفعيل " من الإِبلاس ، فهلا صرف وأجري ؟ قيل : ترك إجراؤه استثقالا إذ كان اسما لا نظير له من أسماء العرب ، فشبهته العرب إذ كان كذلك بأسماء العجم التي لا تجرى ، وقد قالوا : مررت ب إسحاق ، فلم يجروه ، وهو من أسحقه الله إسحاقا ، إذ كان وقع مبتدأ اسما لغير العرب ثم تسمت به العرب فجرى مجراه ، وهو من أسماء العجم في الإِعراب ، فلم يصرف . وكذلك أيوب إنما هو فيعول من آب يئوب . وتأويل قوله : أَبى يعني جل ثناؤه بذلك إبليس أنه امتنع من السجود لآدم فلم يسجد له . وَاسْتَكْبَرَ يعني بذلك أنه تعظم وتكبر عن طاعة الله في السجود لآدم . وهذا وإن كان من الله جل ثناؤه خبرا عن إبليس ، فإنه تقريع لضربائه من خلق الله