محمد بن جرير الطبري
176
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ يقول : أخبرهم بأسمائهم ، فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ أيها الملائكة خاصة إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ولا يعلمه غيري . وحدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قصة الملائكة وآدم ، فقال الله للملائكة : كما لم تعلموا هذه الأَسماء فليس لكم علم ، إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها ، هذا عندي قد علمته ؛ فكذلك أخفيت عنكم أني أجعل فيها من يعصيني ومن يطيعني . قال : وسبق من الله : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ قال : ولم تعلم الملائكة ذلك ولم يدروه . قال : فلما رأوا ما أعطى الله آدم من العلم أقروا لآدم بالفضل . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فروي عن ابن عباس في ذلك ما : حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ يقول : ما تظهرون وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ يقول : أعلم السر كما أعلم العلانية . يعني ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار . وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ قال قولهم : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها فهذا الذي أبدوا ، وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ يعني ما أسر إبليس في نفسه من الكبر . وحدثنا أحمد بن إسحاق الأَهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا عمرو بن ثابت ، عن أبيه ثابت ، عن سعيد بن جبير قوله : وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ قال : ما أسر إبليس في نفسه . وحدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو أحمد ، قال : حدثنا سفيان في قوله : وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ قال : ما أسر إبليس في نفسه من الكبر أن لا يسجد لآدم . وحدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : أخبرنا الحجاج الأَنماطي ، قال : حدثنا مهدي بن ميمون ، قال : سمعت الحسن بن دينار قال للحسن ونحن جلوس عنده في منزله : يا أبا سعيد أرأيت قول الله للملائكة وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ما الذي كتمت الملائكة ؟ فقال الحسن : إن الله لما خلق آدم رأت الملائكة خلقا عجيبا ، فكأنهم دخلهم من ذلك شيء ، فأقبل بعضهم إلى بعض ، وأسروا ذلك بينهم ، فقالوا : وما يهمكم من هذا المخلوق إن الله لم يخلق خلقا إلا كنا أكرم عليه منه . وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله : وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ قال : أسروا بينهم فقالوا يخلق الله ما يشاء أن يخلق ، فلن يخلق خلقا إلا ونحن أكرم عليه منه . وحدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس : وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فكان الذي أبدوا حين قالوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وكان الذي كتموا بينهم قولهم : لن يخلق ربنا خلقا إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم . فعرفوا أن الله فضل عليهم آدم في العلم والكرم . قال أبو جعفر : وأولى هذه الأَقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عباس ، وهو أن معنى قوله : وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وأعلم مع علمي غيب السماوات والأَرض ما تظهرون بألسنتكم وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ وما كنتم تخفونه في أنفسكم ، فلا يخفى علي شيء سواء عندي سرائركم وعلانيتكم . والذي أظهروه بألسنتهم ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم