محمد بن جرير الطبري
173
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أن بني آدم يفسدون في الأَرض ويسفكون الدماء . وحدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا حجاج ، عن جرير بن حازم ومبارك عن الحسن وأبي بكر عن الحسن وقتادة قالا : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أني لم أخلق خلقا إلا كنتم أعلم منه ، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين . قال أبو جعفر : وأولى هذه الأَقوال بتأويل الآية تأويل ابن عباس ومن قال بقوله . ومعنى ذلك فقال : أنبئوني بأسماء من عرضته عليكم أيتها الملائكة القائلون : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ من غيرنا ، أم منا ؟ فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ؛ إن كنتم صادقين في قيلكم أني إن جعلت خليفتي في الأَرض من غيركم عصاني ذريته ، وأفسدوا فيها ، وسفكوا الدماء ، وإن جعلتكم فيها أطعتموني ، واتبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس . فإنكم إن كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضتهم عليكم من خلقي وهم مخلوقون موجودون ترونهم وتعاينونهم ، وعلمه غيركم بتعليمي إياه ، فأنتم بما هو غير موجود من الأَمور الكائنة التي لم توجد بعد ، وبما هو مستتر من الأَمور التي هي موجودة عن أعينكم أحرى أن تكونوا غير عالمين ، فلا تسألوني ما ليس لكم به علم ، فإني أعلم بما يصلحكم ويصلح خلقي . وهذا الفعل من الله جل ثناؤه بملائكته الذين قالوا له : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها من جهة عتابه جل ذكره إياهم ، نظير قوله جل جلاله لنبيه نوح صلوات الله عليه ، إذ قال : رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ . . . . فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ . فكذلك الملائكة سألت ربها أن تكون خلفاءه في الأَرض يسبحوه ويقدسوه فيها ، إذ كان ذرية من أخبرهم أنه جاعله في الأَرض خليفة ، يفسدون فيها ، ويسفكون الدماء ، فقال لهم جل ذكره : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ يعني بذلك أني أعلم أن بعضكم فاتح المعاصي وخاتمها وهو إبليس منكرا بذلك تعالى ذكره قولهم . ثم عرفهم موضع هفوتهم في قيلهم ما قالوا من ذلك ، بتعريفهم قصور علمهم عما هم له شاهدون عيانا ، فكيف بما لم يروه ولم يخبروا عنه بعرضه ما عرض عليهم من خلقه الموجودين يومئذ ، وقيله لهم : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنكم إن استخلفتكم في أرضي سبحتموني وقدستموني ، وإن استخلفت فيها غيركم عصاني ذريته ، وأفسدوا وسفكوا الدماء . فلما اتضح لهم موضع خطأ قيلهم ، وبدت لهم هفوة زلتهم أنابوا إلى الله بالتوبة فقالوا : سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا فسارعوا الرجعة من الهفوة ، وبادروا الإِنابة من الزلة ، كما قال نوح حين عوتب في مسألته ، فقيل له : فلا تسألن ما ليس لك به علم : رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ وكذلك فعل كل مسدد للحق موفق له ، سريعة إلى الحق إنابته ، قريبة اليه أوبته وقد زعم بعض نحويي أهل البصرة أن قوله : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ لم يكن ذلك لأَن الملائكة ادعوا شيئا ، إنما أخبر الله عن جهلهم بعلم الغيب وعلمه بذلك وفضله ، فقال : أنبئوني إن كنتم صادقين ؛ كما يقول الرجل للرجل : أنبئني بهذا إن كنت تعلم ، وهو يعلم أنه لا يعلم ؛ يريد أنه جاهل . وهذا قول إذا تدبره