محمد بن جرير الطبري

154

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بمعنى الجزاء ، ويدل على مجهول من الوقت ، وغير جائز إبطال حرف كان دليلا على معنى في الكلام . إذ سواء قيل قائل هو بمعنى التطول ، وهو في الكلام دليل على معنى مفهوم . وقيل آخر في جميع الكلام الذي نطق به دليلا على ما أريد به وهو بمعنى التطول . وليس لمدعي الذي وصفنا قوله في بيت الأَسود بن يعفر ، أن " إذا " بمعنى التطول وجه مفهوم ؛ بل ذلك لو حذف من الكلام لبطل المعنى الذي أراده الأَسود بن يعفر من قوله : فإذا وذلك لا مهاه لذكره وذلك أنه أراد بقوله : فإذا الذي نحن فيه ، وما مضى من عيشنا . وأشار بقوله ذلك إلى ما تقدم وصفه من عيشه الذي كان فيه لا مهاه لذكره ، يعني لا طعم له ولا فضل ، لإِعقاب الدهر صالح ذلك بفساد . وكذلك معنى قول عبد مناف بن ربع : حتى إذا أسلكوهم في قتائدة * شلا . . . . . . . . . . . . . . . . . . لو أسقط منه " إذا " بطل معنى الكلام ؛ لأَن معناه : حتى إذا أسلكوهم في قتائدة سلكوا شلا . فدل قوله : " وأسلكوهم شلا " على معنى المحذوف ، فاستغني عن ذكره بدلالة " إذا " عليه ، فحذف . كما قد ذكرنا فيما مضى من كتابنا على ما تفعل العرب في نظائر ذلك ، وكما قال النمر بن تولب : فإن المنية من يخشها * فسوف تصادفه أينما وهو يريد : أينما ذهب . وكما تقول العرب : أتيتك من قبل ومن بعد ؛ تريد : من قبل ذلك ومن بعد ذلك . فكذلك ذلك في " إذا " كما يقول القائل : إذا أكرمك أخوك فأكرمه وإذا لا فلا ؛ يريد : وإذا لم يكرمك فلا تكرمه . ومن ذلك قول الآخر : فإذا وذلك لا يضرك ضره * في يوم أثل نائلا أو أنكد نظير ما ذكرنا من المعنى في بيت الأَسود بن يعفر . وكذلك معنى قول الله جل ثناؤه : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ لو أبطلت " إذ " وحذفت من الكلام ، لاستحال عن معناه الذي هو به وفيه " إذ " . فإن قال قائل : فما معنى ذلك ؟ وما الجالب ل " إذ " ، إذ لم يكن في الكلام قبله ما يعطف به عليه ؟ قيل له : قد ذكرنا فيما مضى أن الله جل ثناؤه خاطب الذين خاطبهم بقوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ بهذه الآيات والتي بعدها موبخهم مقبحا إليهم سوء فعالهم ومقامهم على ضلالهم مع النعم التي أنعمها عليهم وعلى أسلافهم ، ومذكرهم بتعديد نعمه عليهم وعلى أسلافهم بأسه أن يسلكوا سبيل من هلك من أسلافهم في معصية الله ، فيسلك بهم سبيلهم في عقوبته ؛ ومعرفهم ما كان منه من تعطفه على التائب منهم استعتابا منه لهم . فكان مما عدد من نعمه عليهم ، أنه خلق لهم ما في الأَرض جميعا ، وسخر لهم ما في السماوات من شمسها وقمرها ونجومها وغير ذلك من منافعها التي جعلها لهم ولسائر بني آدم معهم منافع ، فكان في قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ معنى : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ، إذ خلقتكم ولم تكونوا شيء ، وخلقت لكم ما في الأَرض جميعا ، وسويت لكم ما في السماء . ثم عطف بقوله : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ على المعنى المقتضى بقوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ إذ كان مقتضيا ما وصفت من قوله : اذكروا نعمتي إذ فعلت بكم وفعلت ، واذكروا فعلي بأبيكم آدم ، إذ قلت للملائكة إني جاعل في الأَرض خليفة . فإن قال قائل : فهل لذلك