محمد بن جرير الطبري

151

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وقال بعضهم : إنما قال استوى إلى السماء ولا سماء ، كقول الرجل لآخر : " اعمل هذا الثوب " وإنما معه غزل . وأما قوله فَسَوَّاهُنَّ فإنه يعني هيأهن وخلقهن ودبرهن وقومهن ، والتسوية في كلام العرب : التقويم والإِصلاح والتوطئة ، كما يقال : سوى فلان لفلان هذا الأَمر : إذا قومه وأصلحه ووطأه له . فكذلك تسوية الله جل ثناؤه سماواته : تقويمه إياهن على مشيئته ، وتدبيره لهن على إرادته ، وتفتيقهن بعد ارتتاقهن كما : حدثت عن عمار ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس : فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ يقول : سوى خلقهن وهو بكل شيء عليم . وقال جل ذكره : فَسَوَّاهُنَّ فأخرج مكنيهن مخرج مكني الجمع . وقد قال قبل : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فأخرجها على تقدير الواحد . وإنما أخرج مكنيهن مخرج مكني الجمع ؛ لأَن السماء جمع واحدها سماوة ، فتقدير واحدتها وجمعها إذا تقدير بقرة وبقر ونخلة ونخل وما أشبه ذلك ؛ ولذلك أنثت مرة ، فقيل : هذه سماء ، وذكرت أخرى فقيل : السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كما يفعل ذلك بالجمع الذي لا فرق بينه وبين واحده غير دخول الهاء وخروجها ، فيقال : هذا بقر وهذه بقر ، وهذا نخل وهذه نخل ، وما أشبه ذلك . وكان بعض أهل العربية يزعم أن السماء واحدة ، غير أنها تدل على السماوات ، فقيل : فَسَوَّاهُنَّ يراد بذلك التي ذكرت ، وما دلت عليه من سائر السماوات التي لم تذكر معها . قال : وانما تذكر إذا ذكرت وهي مؤنثة ، فيقال : السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كما يذكر المؤنث ، وكما قال الشاعر : فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها وكما قال أعشى بني ثعلبة : فإما تري لمتي بدلت * فإن الحوادث أزرى بها وقال بعضهم : السماء وإن كانت سماء فوق سماء ، وأرضا فوق أرض ، فهي في التأويل واحدة إن شئت ، ثم تكون تلك الواحدة جماعا ، كما يقال : ثوب أخلاق وأسمال ، وبرمة أعشار للمتكسرة ، وبرمة أكسار وأجبار ، وأخلاق : أي أن نواحيه أخلاق . فإن قال لنا قائل : فإنك قد قلت : إن الله جل ثناؤه استوى إلى السماء وهي دخان قبل أن يسويها سبع سماوات ، ثم سواها سبعا بعد استوائه إليها ، فكيف زعمت أنها جماع ؟ قيل : إنهن كن سبعا غير مستويات ، فلذلك قال جل ذكره : فسواهن سبعا ؛ كما : حدثني محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، قال : قال محمد بن إسحاق : كان أول ما خلق الله تبارك وتعالى : النور والظلمة ، ثم ميز بينهما فجعل الظلمة ليلا أسود مظلما ، وجعل النور نهارا مضيئا مبصرا ، ثم سمك السماوات السبع من دخان يقال والله أعلم من دخان الماء حتى استقللن ولم يحبكهن ، وقد أغطش في السماء الدنيا ليلها وأخرج ضحاها ، فجرى فيها الليل والنهار ، وليس فيها شمس ولا قمر ولا نجوم ، ثم دحى الأَرض ، وأرساها بالجبال ، وقدر فيها الأَقوات ، وبث فيها ما أراد من الخلق ، ففرغ من الأَرض وما قدر فيها من أقواتها في أربعة أيام . ثم استوى إلى السماء وهي دخان كما قال فحبكهن ، وجعل في السماء الدنيا شمسها وقمرها ونجومها ، وأوحى في كل سماء أمرها ، فأكمل خلقهن في يومين . ففرغ من خلق السماوات والأَرض في ستة أيام ، ثم استوى في اليوم السابع فوق سماواته ، ثم قال للسموات والأَرض :