محمد بن جرير الطبري

136

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

من قال : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً في اللون والمنظر ، والطعم مختلف . يعني بذلك اشتباه ثمر الجنة وثمر الدنيا في المنظر واللون ، مختلفا في الطعم والذوق ؛ لما قدمنا من العلة في تأويل قوله : كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وأن معناه : كلما رزقوا من الجنان من ثمرة من ثمارها رزقا قالوا : هذا الذي رزقنا من قبل هذا في الدنيا . فأخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا ذلك من أجل أنهم أتوا بما أتوا به من ذلك في الجنة متشابها ، يعني بذلك تشابه ما أتوا به في الجنة منه والذي كانوا رزقوه في الدنيا في اللون والمرأى والمنظر وإن اختلفا في الطعم والذوق فتباينا ، فلم يكن لشيء مما في الجنة من ذلك نظير في الدنيا . وقد دللنا على فساد قول من زعم أن معنى قوله : قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ إنما هو قول من أهل الجنة في تشبيههم بعض ثمرات الجنة ببعض ، وتلك الدلالة على فساد ذلك القول هي الدلالة على فساد قول من خالف قولنا في تأويل قوله : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً لأَن الله جل ثناؤه إنما أخبر عن المعنى الذي من أجله قال القوم : هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ بقوله : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وسأل من أنكر ذلك فيزعم أنه غير جائز أن يكون شيء مما في الجنة نظير الشيء مما في الدنيا بوجه من الوجوه ، فيقال له : أيجوز أن يكون أسماء ما في الجنة من ثمارها وأطعمتها وأشربتها نظائر أسماء ما في الدنيا منها ؟ فإن أنكر ذلك خالف نص كتاب الله ، لأَن الله جل ثناؤه إنما عرف عباده في الدنيا ما هو عنده في الجنة بالأَسماء التي يسمى بها ما في الدنيا من ذلك . وإن قال : ذلك جائز ، بل هو كذلك قيل : فما أنكرت أن يكون ألوان ما فيها من ذلك نظائر ألوان ما في الدنيا معه بمعنى البياض والحمرة والصفرة وسائر صنوف الأَلوان وإن تباينت فتفاضلت بفضل حسن المرآة والمنظر ، فكان لما في الجنة من ذلك من البهاء والجمال وحسن المرآة والمنظر خلاف الذي لما في الدنيا منه كما كان جائزا ذلك في الأَسماء مع اختلاف المسميات بالفضل في أجسامها ؟ ثم يعكس عليه القول في ذلك ، فلن يقول في أحدهما شيء إلا ألزم في الآخر مثله . وكان أبو موسى الأَشعري يقول في ذلك بما : حدثني به ابن بشار ، قال : حدثنا ابن أبي عدي وعبد الوهاب ، ومحمد بن جعفر ، عن عوف عن قسامة عن الأَشعري ، قال : إن الله لما أخرج آدم من الجنة زوده من ثمار الجنة ، وعلمه صنعة كل شيء ، فثماركم هذه من ثمار الجنة ، غير أن هذه تغير وتلك لا تغير القول في تأويل قوله تعالى : وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ قال أبو جعفر : والهاء والميم اللتان في " لهم " عائدتان على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، والهاء والأَلف اللتان في " فيها " عائدتان على الجنات . وتأويل ذلك : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات فيها أزواج مطهرة . والأَزواج جمع زوج ، وهي امرأة الرجل ، يقال : فلانة زوج فلان وزوجته . وأما قوله مُطَهَّرَةٌ فإن تأويله أنهن طهرن من كل أذى وقذى وريبة ، مما يكون في نساء أهل الدنيا من الحيض والنفاس والغائط والبول والمخاط والبصاق والمني ، وما أشبه ذلك من الأَذى والأَدناس والريب والمكاره . كما : حدثنا به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أما أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ فإنهن لا يحضن ولا يحدثن ولا يتنخمن وحدثني المثنى ، قال : حدثنا