محمد بن جرير الطبري
133
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الكفر به الجاعلين معه الآلهة والأَنداد من عقابه عن إشراك غيره معه ، والتعرض لعقوبته بركوب معصيته وترك طاعته . القول في تأويل قوله تعالى : كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا قال أبو جعفر : يعني بقوله : كُلَّما رُزِقُوا مِنْها من الجنات ، والهاء راجعة على " الجنات " ، وإنما المعني أشجارها ، فكأنه قال : كلما رزقوا من أشجار البساتين التي أعدها الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات في جناته من ثمرة من ثمارها رزقا قالوا : هذا الذي رزقنا من قبل . ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ فقال بعضهم : تأويل ذلك هذا الذي رزقنا من قبل هذا في الدنيا . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ قال : إنهم أتوا بالثمرة في الجنة ، فلما نظروا إليها قالوا : هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة ، قالوا : هذا الذي رزقنا من قبل : أي في الدنيا . وحدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم عن عيسى بن ميمون عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قالوا : هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ يقولون : ما أشبهه به . حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد مثله . وحدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، قالوا : هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ في الدنيا ، قال : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً يعرفونه . قال أبو جعفر : وقال آخرون : بل تأويل ذلك : هذا الذي رزقنا من ثمار الجنة من قبل هذا ، لشدة مشابهة بعض ذلك في اللون والطعم بعضا . ومن علة قائلى هذا القول أن ثمار الجنة كلما نزع منها شيء عاد مكانه آخر مثله . كما : حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا ابن مهدي ، قال : حدثنا سفيان ، قال : سمعت عمرو بن مرة يحدث عن أبي عبيدة ، قال : نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها ، وثمرها مثل القلال ، كلما نزعت منها ثمرة عادة مكانها أخرى . قالوا : فإنما اشتبهت عند أهل الجنة ، لأَن التي عادت نظيره التي نزعت فأكلت في كل معانيها . قالوا : ولذلك قال الله جل ثناؤه : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً لاشتباه جميعه في كل معانيه . وقال بعضهم : بل قالوا : هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ لمشابهته الذي قبله في اللون وإن خالفه في الطعم . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم بن الحسين ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثنا شيخ من المصيصة عن الأَوزاعي عن يحيى بن أبي كثير ، قال : يؤتي أحدهم بالصحفة فيأكل منها ، ثم يؤتي بأخرى فيقول : هذا الذي أتينا به من قبل ، فيقول الملك : كل فاللون واحد والطعم مختلف . وهذا التأويل مذهب من تأول الآية . غير أنه يدفع صحته ظاهر التلاوة والذي يدل على صحته ظاهر الآية ويحقق صحته قول القائلين إن معنى ذلك : هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا . وذلك أن الله جل ثناؤه قال : كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً فأخبر جل ثناؤه أن من قيل أهل الجنة كلما رزقوا من ثمر الجنة رزقا أن يقولوا : هذا الذي رزقا من قبل . ولم يخصص بأن ذلك من قيلهم في بعض ذلك دون بعض . فإذ كان قد أخبر جل ذكره عنهم أن ذلك من قيلهم في كل ما رزقوا من ثمرها ، فلا شك أن ذلك من