محمد بن جرير الطبري
121
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بن علي ، قال : حدثنا أبو معاوية ، قال : حدثنا ابن جريج ، عن عطاء في قوله : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ قال : مثل ضرب للكفار . وهذه الأَقوال التي ذكرنا عمن رويناها عنه ، فإنها وإن اختلفت فيها ألفاظ قائليها متقاربات المعاني لأَنها جميعا تنبئ عن أن الله ضرب الصيب لظاهر إيمان المنافق مثلا ، ومثل ما فيه من ظلمات بضلالته ، وما فيه من ضياء برق بنور إيمانه ، واتقاءه من الصواعق بتصيير أصابعه في أذنيه بضعف جنانه وتحير فؤاده من حلول عقوبة الله بساحته ، ومشيه في ضوء البرق باستقامته على نور إيمانه ، وقيامه في الظلام بحيرته في ضلالته وارتكاسه في عميهه فتأويل الآية إذا كان الأَمر على ما وصفنا : أو مثل ما استضاء به المنافقون من قيلهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بألسنتهم : آمنا بالله وباليوم الآخر وبمحمد وما جاء به ، حتى صار لهم بذلك في الدنيا أحكام المؤمنين ، وهم مع إظهارهم بألسنتهم ما يظهرون بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به من عند الله وباليوم الآخر ، مكذبون ، ولخلاف ما يظهرون بالأَلسن في قلوبهم معتقدون ، على عمى منهم وجهالة بما هم عليه من الضلالة لا يدرون أي الأَمرين اللذين قد شرعا لهم الهداية في الكفر الذي كانوا عليه قبل إرسال الله محمدا صلى الله عليه وسلم ما أرسله به إليهم ، أم في الذي أتاهم به محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربهم ؟ فهم من وعيد الله إياهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وجلون ، وهم مع وجلهم من ذلك في حقيقته شاكون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا . كمثل غيث سرى ليلا في مزنة ظلماء وليلة مظلمة يحدوها رعد ويستطير في حافاتها برق شديد لمعانه كثير خطرانه ، يكاد سنا برقه يذهب بالأَبصار ، ويختطفها من شدة ضيائه ونور شعاعه وينهبط منها تارات صواعق تكاد تدع النفوس من شدة أهوالها زواهق . فالصيب مثل لظاهر ما أظهر المنافقون بألسنتهم من الإِقرار والتصديق ، والظلمات التي هي فيه لظلمات ما هم مستبطنون من الشك والتكذيب ومرض القلوب . وأما الرعد والصواعق فلما هم عليه من الوجل من وعيد الله إياهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في آي كتابه ، إما في العاجل وإما في الآجل ، أي يحل بهم مع شكهم في ذلك : هل هو كائن ، أم غير كائن ، وهل له حقيقة أم ذلك كذب وباطل ؟ مثل . فهم من وجلهم أن يكون ذلك حقا يتقونه بالإِقرار بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بألسنتهم مخافة على أنفسهم من الهلاك ونزول النقمات وذلك تأويل قوله جل ثناؤه : يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ يعني بذلك يتقون وعيد الله الذي أنزله في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بما يبدونه بألسنتهم من ظاهر الإِقرار ، كما يتقي الخائف أصوات الصواعق بتغطية أذنيه وتصيير أسابعه فيها حذرا على نفسه منها . وقد ذكرنا الخبر الذي روي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما كانا يقولان : إن المنافقين كانوا إذا حضروا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخلوا أصابعهم في آذانهم فرقا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم شيء ، أو يذكروا بشيء فيقتلوا . فإن كان ذلك صريحا ، ولست أعلمه صحيحا ، إذ كنت بإسناده مرتابا ؛ فإن القول الذي روي عنهما هو القول وإن يكن غير صحيح ، فأولى بتأويل الآية ما قلنا ؛ لأَن الله إنما قص علينا من خبرهم في أول