محمد بن جرير الطبري

109

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قيل : أما في الموضع الذي مثل ربنا جل ثناؤه جماعة من المنافقين بالواحد الذي جعله لأَفعالهم مثلا فجائز حسن ، وفي نظائره كما قال جل ثناؤه في نظير ذلك : تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ يعني كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت ، وكقوله : ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ بمعنى إلا كبعث نفس واحدة . وأما في تمثيل أجسام الجماعة من الرجال في طول وتمام الخلق بالواحدة من النخيل ، فغير جائز ولا في نظائره لفرق بينهما . فأما تمثيل الجماعة من المنافقين بالمستوقد الواحد ، فإنما جاز لأَن المراد من الخبر عن مثل المنافقين الخبر عن مثل استضاءتهم بما أظهروا بألسنتهم من الإِقرار وهم لغيره مستبطنون من اعتقاداتهم الرديئة ، وخلطهم نفاقهم الباطن بالإِقرار بالإِيمان الظاهر . والاستضاءة وإن اختلفت أشخاص أهلها معنى واحد لا معان مختلفة . فالمثل لها في معنى المثل للشخص الواحد من الأَشياء المختلفة الأَشخاص . وتأويل ذلك : مثل استضاءة المنافقين بما أظهروه من الإِقرار بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء به قولا وهم به مكذبون اعتقادا ، كمثل استضاءة الموقد نارا . ثم أسقط ذكر الاستضاءة وأضيف المثل إليهم ، كما قال نابغة بني جعدة : وكيف تواصل من أصبحت * خلالته كأبي مرحب يريد كخلالة أبي مرحب ، فأسقط " خلالة " ، إذ كان فيما أظهر من الكلام دلالة لسامعيه على ما حذف منه . فكذلك القول في قوله : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً لما كان معلوما عند سامعيه بما أظهر من الكلام أن المثل إنما ضرب لاستضاءة القوم بالإِقرار دون أعيان أجسامهم حسن حذف ذكر الاستضاءة وإضافة المثل إلى أهله . والمقصود بالمثل ما ذكرنا ، فلما وصفنا جاز وحسن قوله : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً ويشبه مثل الجماعة في اللفظ بالواحد ، إذ كان المراد بالمثل الواحد في المعنى . وأما إذا أريد تشبيه الجماعة من أعيان بني آدم أو أعيان ذوي الصور والأَجسام بشيء ، فالصواب من الكلام تشبيه الجماعة بالجماعة والواحد بالواحد ، لأَن عين كل واحد منهم غير أعيان الآخرين . ولذلك من المعنى افترق القول في تشبيه الأَفعال والأَسماء ، فجاز تشبيه أفعال الجماعة من الناس وغيرهم إذا كانت بمعنى واحد بفعل الواحد ، ثم حذف أسماء الأَفعال ، وإضافة المثل والتشبيه إلى الذين لهم الفعل ، فيقال : ما أفعالكم إلا كفعل الكلب ، ثم يحذف فيقال : ما أفعالكم إلا كالكلب أو كالكلاب ، وأنت تعني : إلا كفعل الكلب ، وإلا كفعل الكلاب . ولم يجز أن تقول : ما هم إلا نخلة ، وأنت تريد تشبيه أجسامهم بالنخل في الطول والتمام . وأما قوله : اسْتَوْقَدَ ناراً فإنه في تأويل أوقد كما قال الشاعر : وداع دعا يا من يجيب إلى الندى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب يريد : فلم يجبه . فكان معنى الكلام إذا مثل استضاءة هؤلاء المنافقين في إظهارهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بألسنتهم من قولهم : آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وصدقنا بمحمد ، وبما جاء به ، وهم للكفر مستنبطون فيما الله فاعل بهم ، مثل استضاءة موقد نار بناره حتى أضاءت له النار ما حوله ، يعني ما حول المستوقد . وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أن " الذي " في قوله : كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً بمعنى " الذين " كما قال جل ثناؤه : وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ