محمد بن جرير الطبري

107

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فقال : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى صرفوا قوله : اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى إلى ذلك وقالوا : قد تدخل الباء مكان " على " ، و " على " مكان الباء ، كما يقال : مررت بفلان ومررت على فلان بمعنى واحد ، وكقول الله جل ثناؤه : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ أي : على قنطار . فكان تأويل الآية على معنى هؤلاء : أولئك الذين اختاروا الضلالة على الهدى . وأراهم وجهوا معنى قول الله جل ثناؤه : اشْتَرَوُا إلى معنى " اختاروا " ، لأَن العرب تقول : اشتريت كذا على كذا ، و " اشتريته " يعنون اخترته عليه . ومن الاشتراء قول أعشى بني ثعلبة : فقد أخرج الكاعب المشترا * ة من خدرها وأشيع القمارا يعني بالمشتراة : المختارة . وقال ذو الرمة في الاشتراء بمعنى الاختيار : يذب القصايا عن شراة كأنها * جماهير تحت المدجنات الهواضب يعني بالشراة : المختارة . وقال آخر في مثل ذلك : إن الشراة روقة الأَموال * وحزرة القلب خيار المال قال أبو جعفر : وهذا وإن كان وجها من التأويل فلست له بمختار لأَن الله جل ثناؤه قال فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ فدل بذلك على أن معنى قوله أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى معنى الشراء الذي يتعارفه الناس من استبدال شيء مكان شيء وأخذ عوض على عوض . وأما الذين قالوا : إن القوم كانوا مؤمنين وكفروا ، فإنه لا مؤنة عليهم لو كان الأَمر على ما وصفوا به القوم ، لأَن الأَمر إذا كان كذلك فقد تركوا الإِيمان ، واستبدلوا به الكفر عوضا من الهدى . وذلك هو المعنى المفهوم من معاني الشراء والبيع ، ولكن دلائل أول الآيات في نعوتهم إلى آخرها دالة على أن القوم لم يكونوا قط استضاءوا بنور الإِيمان ولا دخلوا في ملة الإِسلام ، أو ما تسمع الله جل ثناؤه من لدن ابتدأ في نعتهم إلى أن أتى على صفتهم إنما وصفهم بإظهار الكذب بألسنتهم بدعواهم التصديق بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، خداعا لله ولرسوله وللمؤمنين عند أنفسهم واستهزاء في نفوسهم بالمؤمنين ، وهم لغير ما كانوا يظهرون مستبطنون ، لقول الله جل جلاله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ثم اقتص قصصهم إلى قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فأين الدلالة على أنهم كانوا مؤمنين فكفروا ؟ . فإن كان قائل هذه المقالة ظن أن قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى هو الدليل على أن القوم قد كانوا على الإِيمان فانتقلوا عنه إلى الكفر ، فلذلك قيل لهم : اشتروا ؛ فإن ذلك تأويل غير مسلم له ، إذ كان الاشتراء عند مخالفيه قد يكون أخذ شيء بترك آخر غيره ، وقد يكون بمعنى الاختيار وبغير ذلك من المعاني . والكلمة إذا احتملت وجوها لم يكن لأَحد صرف معناها إلى بعض وجوهها دون بعض إلا بحجة يجب التسليم لها . قال أبو جعفر : والذي هو أولى عندي بتأويل الآية ما روينا عن ابن عباس وابن مسعود من تأويلهما قوله : اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى أخذوا الضلالة وتركوا الهدى . وذلك أن كل كافر بالله فإنه مستبدل بالإِيمان كفرا باكتسابه الكفر الذي وجد منه بدلا من الإِيمان الذي أمر به . أو ما تسمع الله جل ثناؤه يقول فيمن اكتسب كفرا به مكان الإِيمان به وبرسوله : وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ وذلك هو معنى الشراء ، لأَن كل مشتر شيئا فإنما يستبدل مكان الذي يؤخذ منه من البدل آخر بدلا منه ، فكذلك المنافق والكافر استبدلا بالهدى الضلالة والنفاق ، فأضلهما الله وسلبهما نور الهدى فترك جميعهم في ظلمات