محمد بن جرير الطبري
102
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
إذا رضيت علي بنو قشير * لعمر الله أعجبني رضاها بمعنى " عني " . وأما بعض نحويي أهل الكوفة فإنه كان يتأول أن ذلك بمعنى : وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وإذا صرفوا خلاءهم إلى شياطينهم ؛ فيزعم أن الجالب " إلى " المعنى الذي دل عليه الكلام : من انصراف المنافقين عن لقاء المؤمنين إلى شياطينهم خالين بهم ، لا قوله " خلوا " . وعلى هذا التأويل لا يصلح في موضع " إلى " غيرها لتغير الكلام بدخول غيرها من الحروف مكانها . وهذا القول عندي أولى بالصواب ، لأَن لكل حرف من حروف المعاني وجها هو به أولى من غيره ، فلا يصلح تحويل ذلك عنه إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها . ول " إلى " في كل موضع دخلت من الكلام حكم وغير جائز سلبها معانيها في أماكنها . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ أجمع أهل التأويل جميعا لا خلاف بينهم ، على أن معنى قوله : إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ إنما نحن ساخرون . فمعنى الكلام إذا : وإذا انصرف المنافقون خالين إلى مردتهم من المنافقين والمشركين قالوا : إنا معكم عن ما أنتم عليه من التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء به ومعاداته ومعاداة أتباعه ، إنما نحن ساخرون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في قيلنا لهم إذا لقيناهم آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ كما : حدثنا محمد بن العلاء ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمار عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : قالوا إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ساخرون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ أي إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم . حدثنا بشر بن معاذ العقدي ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة : إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ إنما نستهزئ بهؤلاء القوم ونسخر بهم . حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، عن عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ أي نستهزئ بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ قال أبو جعفر : اختلف في صفة استهزاء الله جل جلاله الذي ذكر أنه فاعله بالمنافقين الذين وصف صفتهم . فقال بعضهم : استهزاؤه بهم كالذي أخبرنا تبارك اسمه أنه فاعل بهم يوم القيامة في قوله تعالى : يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى الآية ، وكالذي أخبرنا أنه فعل بالكفار بقوله : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً فهذا وما أشبهه من استهزاء الله جل وعز وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين وأهل الشرك به ، عند قائلي هذا القول ومتأولي هذا التأويل . وقال آخرون : بل استهزاؤه استهزاء الله بهم : توبيخه إياهم ولومه لهم على ما ركبوا من معاصي الله والكفر به ، كما يقال : إن فلانا ليهزأ الاستهزاء منه منذ اليوم ويسخر منه ؛ يراد به توبيخ الناس إياه ولومهم له ، أو إهلاكه إياهم وتدميره بهم ، كما قال عبيد بن الأَبرص : سائل بنا حجر ابن أم قطام إذ * ظلت به السمر النواهل تلعب فزعموا أن السمر وهي القنا لا لعب منها ، ولكنها لما قتلتهم وشردتهم جعل ذلك من فعلها لعبا بمن