محمد بن جرير الطبري

99

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

من المؤمنين عن الإِفساد في الأَرض وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ القول في تأويل قوله جل ثناءه : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ وهذا القول من الله جل ثناؤه تكذيب للمنافقين في دعواهم إذا أمروا بطاعة الله فيما أمرهم الله به ، ونهوا عن معصية الله فيما نهاهم الله عنه . قالوا : إنما نحن مصلحون لا مفسدون ، ونحن على رشد وهدى فيما أنكرتموه علينا دونكم لا ضالون . فكذبهم الله عز وجل في ذلك من قيلهم ، فقال : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ المخالفون أمر الله عز وجل ، المتعدون حدوده الراكبون معصيته ، التاركون فروضه وهم لا يشعرون ولا يدرون أنهم كذلك ، لا الذين يأمرونهم بالقسط من المؤمنين وينهونهم عن معاصي الله في أرضه من المسلمين . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قال أبو جعفر : وتأويل قوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ يعني : وإذا قيل لهؤلاء الذين وصفهم الله ونعتهم بأنهم يقولون آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ صدقوا بمحمد وبما جاء به من عند الله كما صدق به الناس . ويعني ب " الناس " المؤمنين الذين آمنوا بمحمد ونبوته وما جاء به من عند الله . كما : حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمار ، عن أبي روق ، عن الضحاك عن ابن عباس في قوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ يقول : وإذا قيل لهم صدقوا كما صدق أصحاب محمد ، قولوا : إنه نبي ورسول ، وإن ما أنزل عليه حق ، وصدقوا بالآخرة ، وأنكم مبعوثون من بعد الموت . وإنما أدخلت الأَلف واللام في " الناس " وهم بعض الناس لا جميعهم ؛ لأَنهم كانوا معروفين عند الذين خوطبوا بهذه الآية بأعيانهم . وإنما معناه : آمنوا كما آمن الناس الذين تعرفونهم من أهل اليقين والتصديق بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به من عند الله وباليوم الآخر ، فلذلك أدخلت الأَلف واللام فيه كما أدخلتا في قوله : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ لأَنه أشير بدخولها إلى ناس معروفين عند من خوطب بذلك . القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ قال أبو جعفر : والسفهاء جمع سفيه ، كالعلماء جمع عليم ، والحكماء جمع حكيم . والسفيه : الجاهل الضعيف الرأي ، القليل المعرفة بمواضع المنافع والمضار ؛ ولذلك سمى الله عز وجل النساء والصبيان سفهاء ، فقال تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً فقال عامة أهل التأويل : هم النساء والصبيان لضعف آرائهم ، وقلة معرفتهم بمواضع المصالح والمضار التي تصرف إليها الأَموال . وإنما عنى المنافقون بقيلهم أنؤمن كما آمن السفهاء ، إذ دعوا إلى التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء به من عند الله ، والإِقرار بالبعث ، فقال لهم : آمنوا كما آمن أصحاب محمد وأتباعه من المؤمنين المصدقين به أهل الإِيمان واليقين والتصديق بالله وبما افترض عليهم على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وفي كتابه وباليوم الآخر ، فقالوا إجابة لقائل ذلك لهم : أنؤمن كما آمن أهل الجهل ونصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم كما صدق به هؤلاء الذين لا عقول لهم ولا أفهام ؛ كالذي : حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، قالوا : أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ يعنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر