محمد بن جرير الطبري
97
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لم يجز له ذكر نظير الذي في سورة المنافقين سواء . وقد زعم بعض نحويي البصرة أن " ما " من قول الله تبارك اسمه : بِما كانُوا يَكْذِبُونَ اسم للمصدر ، كما أن أن والفعل اسمان للمصدر في قولك : أحب أن تأتيني ، وأن المعنى إنما هو بكذبهم وتكذيبهم . قال : وأدخل " كان " ليخبر أنه كان فيما مضى ، كما يقال : ما أحسن ما كان عبد الله . فأنت تعجب من عبد الله لا من كونه ، وإنما وقع التعجب في اللفظ على كونه . وكان بعض نحويي الكوفة ينكر ذلك من قوله ويستخطئه ويقول : إنما ألغيت " كان " في التعجب لأَن الفعل قد تقدمها ، فكأنه قال : " حسنا كان زيد " ، " وحسن كان زيد " يبطل " كان " ، ويعمل مع الأَسماء والصفات التي بألفاظ الأَسماء إذا جاءت قبل " كان " ووقعت " كان " بينها وبين الأَسماء . وأما العلة في إبطالها إذا أبطلت في هذه الحال فشبه الصفات والأَسماء بفعل ويفعل اللتين لا يظهر عمل كان فيهما ، ألا ترى أنك تقول : " يقوم كان زيد " ، ولا يظهر عمل " كان " في " يقوم " ، وكذلك " قام كان زيد " . فلذلك أبطل عملها مع فاعل تمثيلا بفعل ويفعل ، وأعملت مع فاعل أحيانا لأَنه اسم كما تعمل في الأَسماء . فأما إذا تقدمت " كان " الأَسماء والأَفعال وكان الاسم والفعل بعدها ، فخطأ عنده أن تكون " كان " مبطلة ؛ فلذلك أحال قول البصري الذي حكيناه ، وتأول قول الله عز وجل : بِما كانُوا يَكْذِبُونَ أنه بمعنى : الذي يكذبونه . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية ، فروي عن سلمان الفارسي أنه كان يقول : لم يجئ هؤلاء بعد . حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثام بن علي ، قال : حدثنا الأَعمش ، قال : سمعت المنهال بن عمرو يحدث عن عباد بن عبد الله ، عن سلمان ، قال : ما جاء هؤلاء بعد ، الذين إِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن شريك ، قال : حدثني أبي ، قال حدثني الأَعمش ، عن زيد بن وهب وغيره ، عن سلمان أنه قال في هذه الآية : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ قال ما جاء هؤلاء بعد . وقال آخرون بما : حدثني به موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ هم المنافقون . أما لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ فإن الفساد هو الكفر والعمل بالمعصية . وحدثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر عن الربيع : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ يقول : لا تعصوا في الأَرض . قال : فكان الإِفساد في الأَرض فسادهم على أنفسهم ذلك معصية الله جل ثناؤه ، لأَن من عصى الله في الأَرض أو أمر بمعصيته فقد أفسد في الأَرض ، لأَن إصلاح الأَرض والسماء بالطاعة . وأولى التأويلين بالآية تأويل من قال : إن قول الله تبارك اسمه : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ نزلت في المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن كان معنيا بها كل من كان بمثل صفتهم من المنافقين بعدهم إلى يوم القيامة . وقد يحتمل قول سلمان عند تلاوة هذه الآية : " ما جاء هؤلاء بعد " أن يكون قاله بعد فناء الذين كانوا بهذه الصفة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرا منه عمن