الشيخ محمد آصف المحسني
43
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
الأنبياء ، مستدلّ عليه باستلزامه انحطاط رتبة الأنبياء ، والتنفير عنهم لاشتراك غيرهم معهم إذا حينئذٍ في العلة الموجبة للطاعة ، أعني المعجزة . وباستلزامه كثرة وقوعها الخارجة عن حد الإعجاز ، وباستلزامه عدم امتياز النبي عن غيره ، وباستلزامه عدم دلالتها على صدق مدّعى النبوّة حينئذ لثبوتها في غيره أيضاً ، والعامّ لا يدلّ على الخاصّ ، وباستلزامه جريانها على يد كلّ صادق إذا جرى على يد بعضهم بعدم الترجيح ، ضعيف جداً . أما الدّعوى نفسها فلما عرفت . وأما الأدلّة فيزيف أوّلها وثانيها بقلّة هؤلاء الرجال الأوحديين في كلّ عصر ومصر ، وبندرة جري الكرامة على أيديهم ، وثالثها ورابعها بخروجهما عن محلّ الكلام ، فإنّ النبي يدّعي منصباً ، والولي لا يدّعيه كما هو المفروض . وخامسها بأنّ جريانها إنّما هو على يدي بعض الخلّص من الصلحاء لا على يدي كلّ صادق . فهذه التلفيقات واهية لا يعتنى بها . فالمتحصّل : أنّ المعجزة تصديق لدعوى النبي ، والكرامة تكريم لشأن الولي . 3 - صدورها بعد الدّعوى لا قبلها بكثير ، وإلّا كانت إرهاصاً لا إعجازاً ، كتكلّم عيسى في المهد ، وانكسار إيوان كسرى ، وغور ماء بحر ساوه ، وتسليم الأحجار ، وتظليل الغمام من الشمس وغيرها على الرسول الخاتم ( ص ) على ما حكي . وإنّما سمّيت إرهاصاً ؛ لأنّها تصدر لتأسيس النبوّة التي يدّعيها فيما بعد ؛ إذ معنى الإرهاص هو التأسيس والجعل . وفسّره اللاهيجي وغيره بالانتظار ، لكن فيه نظر . والفرق بين الإرهاص والكرامات - مع اشتراكهما في عدم الدّعوى معهما - تعقب الدّعوى في الأول دون الثاني . وربّما يطلق الكرامة على الإرهاص ولا مشاحّة في الاصطلاح ، ثم إنّ المانعين عن الكرامات قد اختلفوا هنا فجوّزه بعضهم وأنكره الآخرون « 1 » . 4 - كونها مطابقة للدّعوى ، وإلا فتسمّى مكذبة كما في قصّة مسيلمة ، فقد نقل - والله العالم - أنّه لما ادّعى النبوّة ، فقيل له : إنّ رسول الله ( ص ) دعا لأعور فردّ الله عينه الذاهبة . فدعا مسيلمة لأعور فذهبت عينه الصحيحة ! وإنّه تفل في بئر قليلة الماء ليكثر ماؤها فغار جميع ما فيها من الماء ! وإنّه أمرّ يده على رؤوس صبيان بني حليفة وحنّكهم ، فأصاب القرع كلّ صبي مسح رأسه ، ولئع كلّ صبي مسح حنّكه ! فمثل هذا العمل الخارق للعادة يكذب صاحبه وإن يعجز غيره . ومن المكذبة أن يقول المدّعي : أنا أنطق هذا الشجر فنطق الحجر ، أو نطق الشجر لكن
--> ( 1 ) - لاحظ شرح التجريد للعلّامة الحلي ( قدس سره ) / 220 .