الشيخ محمد آصف المحسني
41
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
الطبيعة ويعجز عنه غير شاهداً على صدق دعواه . ذكره بعض أساتذتنا في مدخل تفسيره « 1 » وعرّفه المحقّق الطوسي بقوله « 2 » : المعجزة هو فعل خارق للعادة يعجز عن أمثاله البشر مقروناً بالتحدي . أقول : لا بدّ من إضافة قيد آخر عليه كما ذكره في تجريده ، وهو مطابقته للدّعوى . والأوضح أن يقال : إنّه أمر خارق للعادة صادر عقيب دعوى النبوّة أو الإمامية مطابقاً لها ، ولا يمكن لبشر معارضته ، وليس معناه التصرف في الأمور الممتنعة أو الواجبة ؛ ضرورة بطلان التأثير والتأثّر في الضروريات ، بل لو ادّعى أحد ذلك لكان نفس الدّعوى المذكورة دليلًا على كذبه وبساطته . وهل الإعجاز بمعنى عدم سبب طبيعي للعمل ؛ بل بمجرد إرادة الله تعالى يوجد ؟ أم بمعنى وجود علّة مادّية طبيعية خفيّة على الناس ؟ فيه وجهان ذهب بعض أعلام العصر إلى الثاني قال « 3 » : قوله تعالى : ( قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) « 4 » يدل على ثاني الوجهين فإنّها ( الآية ) تدل على أنّ كلّ شيء من المسببات أعمّ من ما تقتضيه الأسباب العادية أو لا يقتضيه ، فإنّ له قدراً قدّره الله سبحانه عليه وارتباطات مع غيره من الموجودات ، وإن كانت الأسباب العادية مقطوعة عنه غير مرتبطة ، فالآية تدلّ على أنّه تعالى جعل بين الأشياء جميعاً ارتباطات واتصالات ؛ له أن يبلغ إلى كلّ ما يريد من أيّ وجه شاء ، وليس هذا نفياً للعلّية والسببية بين الأشياء ، بل إثبات أنّها بيد الله سبحانه يحوّلها كيف يشاء وأراد . ففي الوجود علّية وارتباط حقيقي بين كلّ موجود وما تقدّمه من الموجودات المنتظمة ، غير أنّها ليست على ما نجده بين ظواهر الموجودات بحسب العادة ، بل على ما يعلمه الله وينظمه . وهذه الحقيقة هي التي تدلّ عليها آيات القدر كقوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ « 5 » وقوله تعالى : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ « 6 » وقوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى « 7 » . . . فإنّ الآية الأولى وكذا بقيّة الآيات تدلّ
--> ( 1 ) - البيان / 20 . ( 2 ) - شرح قواعد العقائد / 71 . ( 3 ) - تفسير الميزان 1 / 76 . ( 4 ) - الطلاق 65 / 3 . ( 5 ) - الحجر 15 / 21 . ( 6 ) - القمر 54 / 49 . ( 7 ) - الأعلى 87 / 2 - 3 .