الشيخ محمد آصف المحسني
364
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
لنا تصديقه « 1 » ، بل يمكن أن يقال إنّ بوجوده فائدة تشريعية أيضاً لكن لا بالنسبة إلينا ، بل بالنسبة إلى بقيّة الكرات حتّى من سائر المنظومات الشمسيّة ، فإنّا ذكرنا في المقصد السابق أنّ المستفاد من ظواهر بعض الأدلّة أنّ النبيّ الخاتم ( ص ) كان مبعوثاً إلى جميع العالمين ، من غير اختصاص بمن في الكرة الأرضيّة ، وأئمتنا الكرام ( عليهم السلام ) أوصيائه ( ص ) في حفظ شرعه فيكونون أئمة في جميع الكرات وهذ الاحتمالا دافع له أصلًا . وأمّا ما يقال من أنّ الإمام لا بدّ أن يكون سائساً متصرّفاً في الأمور فهو جزاف كما يظهر من مراجعة سيرة الأنبياء فمنهم مقتول ، ومنهم مغلوب ينتصر الله ومنهم من بفرّ خائفا مترقبا ، ومنهم القوم استضعفوه وكادوا أن يقتلوه ومنهم من لا يملك إلّا يملك إلّا نفسه وأخاه . والله سبحانه يقول : ( يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) « 2 » نقد وتحقيق إنّ الذين يقولون بوجوب اللطف على الله تعالى ، ويوجبون نصب الإمام عليه عزّ وجلّ يشكل عليهم الأمر في المقام ، إذ غيبة المهدي - عجّل الله تعالى فرجه - تستلزم أنّ الله لم يفعل ما هو الواجب عليه ! . قال المحقّق الطوسي ( قدس سره ) في التجريد ، في مقام الجواب : ووجوده لطف وتصرّفه لطف آخر ، وعدمه منّاً . وأوضحه العلّامة الحلّي رضي الله عنه في الشرح بقوله : إنّ وجود الإمام بنفسه لطف لوجوه : أحدها : أنّه يحفظ الشرائع ويحرسها عن الزيادة والنقصان . ثانيها : أنّ اعتقاد المكلّفين بوجود الإمام وتجويز انقياد حكمه عليهم في كلّ وقت سبب لردعهم عن الفساد ، ولقربهم إلى الصلاح وهذا معلوم بالضرورة . ثالثها : أنّ تصرّفه لا شكّ أنّه لطف ، وذلك لا يتمّ إلّا بوجوده ، فيكون وجوده بنفسه لطفاً وتصرّفه لطفاً آخر . أقول : هذه الوجوه ضعيفة فإنّ حفظ الشرع يحصل بتصرفه وإرشاده لا بمجرد وجوده ( ع ) قطعاً . والزيادة والنقيصة قد وقعتا في الشرع يقيناً ، سهواً من صلحاء الرواة والمجتهدين وعدولهم ، وعمداً من أشرارهم وكذّابيهم ووضّاعيهم : فأين الحراسة ؟ فمعنى الحفظ والحراسة - ظاهراً - أنّه لو سأله المكلّفون يبيّن الحقّ بلا زيادة ونقيصة ، وهذا غير ميسور في
--> ( 1 ) - لاحظ كلامة في كتابه نهاية الدراية 2 / 159 وأنت بعد الإحاطة بالأصول المبرهنة في الجزء الأوّل والثاني تعرف بطلانه . ( 2 ) - يس 36 / 30 .