الشيخ محمد آصف المحسني
331
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
بل على الإجماع المزعوم ، بل ذكروا أنّ الأفضليّة ظنّية غير قطعية « 1 » . وهذا يكشف عن عدم اطمئنان قلوبهم بها وعن اعتقادهم بمجعوليّتها واختراعها . 4 - ما في المواقف وشرحها « 2 » : لكنّا وجدنا السلف قالوا بأنّ الأفضل أبو بكر ، ثمّ عمر ، ثمّ عثمان ، ثمّ عليّ . وحسن ظنّنا بهم يقتضي بأنّهم لو لم يعرفوا ذلك لما أطبقوا عليه ، فوجب اتّباعهم في ذلك وتفويض ما هو الحقّ إلى الله تعالى ، وهذا في حكم التوقّف عن القول بالأفضليّة . وقال التفتازاني في شرح العقائد لعمر النسفي : وعلى هذا وجدنا السلف ، والظاهر أنّه لو لم يكن لهم دليل على ذلك لما حكموا بذلك وقال بعد أسطر : وكأنّ السلف كانوا متوقّفين في تفضيل عثمان رضي الله عنه ، انتهى . أقول : فاصل خلافة أبي بكر وأفضليّته مأخوذان من عمل السلف فقط ، والفرق أنّ الأوّل أصبح قطعيّاً والثاني ظنّياً ، ولا تسأل عن فارقه فإنّ القوم أيضاً متحيّرون فيه ! ولم ولن يتمكّنوا من إثباته . هذا ، وقد عرفت منّا سابقاً أنّ عمل السلف لا يكون حجّة على غيرهم ولو فرضناهم صالحين . فإنّ قول الثقة حجّة في الأخبار الحسيّة ، دون المسائل الحدسية ، كما قرّر في أصول الفقه . ثمّ لا أدري أين اتّفاق السلف على قولهم ؟ وفي المسألة أقوالًا متعدّدة كما مرّ ، وهذا ابن حزم ينسب أفضليّة أبي بكر إلى بعض أهل السنّة ، كما سلف نقله وينقل هو وغيره عن خلق كثير من الصحابة والتابعين وغيرهم عن الشيعة والعامّة أفضليّة عليّ ( ع ) . وهذا ابن عبد البرينص « 3 » : إنّ السلف اختلفوا في تفضيل أبي بكر وعليّ رضي الله عنهما ، ونقل أيضاً عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخباب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم : أنّ عليّاً أوّل من أسلم ، وفضّله هؤلاء على غيره ، انتهى . فتحصّل من جميع ذلك أنّه لا دليل على أفضليّة أبي بكر أصلًا سوى العصبية البغيضة التي ولّدتها سقيفة بني ساعدة وربّتها السياسة الأموية .
--> ( 1 ) - راجع الفصل الأوّل من الباب الثالث من الصواعق المحرقة تجد صدق ما قلنا من ملاحظة كلماتهم . قال ابن حجر : إنّ المجمعين أنفسهم لم يقطعوا بالأفضليّة المذكورة وإنّما ظنّوها فقط كمان هو المفهوم من عبارات المسألة وإشاراتهم ، انتهى . ( 2 ) - المواقف وشرحها 3 / 279 . ( 3 ) - كما في الصواعق المحرقة / 56 .