الشيخ محمد آصف المحسني
305
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
بإعلام الله تعالى له ذلك ، فأمّا القول بأنّه يعلم كلّ ما يكون فلسنا نطلقه ، ولا نصوّب قائله لدعواه فيه من غير حجّة ولا بيان . والقول بأنّ أمير المؤمنين ( ع ) يعلم قاتله والوقت الذي كان يقتل فيه ، فقد جاء الخبر متظاهراً أنّه كان يعلم في الجملة أنّه مقتول وجاء أيضاً ، أنّه يعلم قاتله على التفصيل ، فأمّا علمه بوقت قتله ، فلم يأت عليه أثر على التحصيل . وأمّا علم الحسين ( ع ) بأنّ أهل الكوفة خادعوه فلسنا نقطع على ذلك ؛ إذ لا حجّة عليه من عقل ولا سمع . أقول : ما ذكره من اختصاص علم الإمام بالأحكام دون الأعيان غير متين كما يظهر من مراجعة الروايات المتقدّمة ، نعم لا دليل على الكلّية المطلقة ، بل الدليل على خلافها كما مرّ ، كما أنّ ما ذكره ( رحمه الله ) من نفي علمهم بموتهم أو تردده فيه وقع في غير محلّه فإنّ الأخبار الواردة في خصوص المسألة وإن كانت ضعيفة الأسانيد ، إلّا أنّ من وقف على الروايات الواردة في كمّية علومهم بأنواعها المتقدّمة يطمئن بأنّهم ( عليهم السلام ) يعلمون أوقات موتهم وما يصيبهم من شهادة أو موت . وأمّا توقّفه في علم أمير المؤمنين ( ع ) بموجب قتله بالتعيين فهو غريب ، بل مناقض لما ذكره في إرشاده في باب شهادته ( ع ) . وأغرب منه توقّفه في علم الحسين ( ع ) بمخادعة أهل الكوفة ، مع أنّها من الواضحات حتّى عند غيره ( ع ) ولذا منعه غير واحد من الذهاب إليهم ، والإنصاف أنّ صدور هذا الكلام بتمامه لم يكن متوقّعاً من مثله لكنّ الجواد قد يكبو . فالمتحصّل من جميع ما مر أنّهم ( عليهم السلام ) عالمون بوقت ارتحالهم وشهادتهم ، فيتّجه من ذلك سؤال مشهور ، وهو أنّهم كيف يقدمون على ما ينجر إلى قتلهم وهلاكهم ، « 1 » مع أنّ دفع الضرر واجب عقلًا . قال بعض المحدثين « 2 » : وهو مبنيّ على منع كون حفظ النفس واجباً مطلقاً ، ولعلّه كان من خصائصهم عدم وجوب ذلك عند اختيارهم الموت ، وحكم العقل في ذلك غير متّبع ، مع أنّ حكم العقل بالوجوب في مثل ذلك غير مسلّم . قال المحدّث الاسترآبادي : أحاديث هذا الباب صريحة في أنّ المقدّمة المشهورة بين المعتزلة من أنّ حفظ النفس واجب عقلًا ، غير مقبولة ولو خصّصناها بحالة رجاء الخلاص .
--> ( 1 ) - وظاهر أنّ الإشكال لا يجري في العلم بالموت كما لا يخفى ، وإنّما يخصّ العلم بالشهادة فيما إذا كان الفرار منها ممكناً كما في حقّ أمير المؤمنين ( ع ) . ( 2 ) - مرآة العقول 1 / 188 .