الشيخ محمد آصف المحسني
259
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
هذا ، مع أنّه لو ثبت تصريحه بخلافة أبي بكر في تلك الحال - أي حال مرضه ( ص ) - لم يكن عند أولياء عمر الخليفة حجّة ؛ لأنّ النبيّ ( ص ) قد غلبه الوجع ويهجر فلا يدري ما يقول ! ! . قال الجرجاني في شرح المواقف « 1 » : وأمّا ما روى البخاري بإسناده إلى عروة عن أبيه عن عائشة أنّه ( ع ) أمر أبا بكر أن يصلّي بالناس في مرضه . فكان يصلّي بهم قال عروة : فوجد رسول الله من نفسه خفّة فخرج إلى المحراب ، فكان أبو بكر يصلّى بصلاة رسول الله والناس بصلاة أبي بكر أي بتكبيره ، فهو إنّما كان في وقت آخر ، انتهى كلامه . أقول : كلام الجرجاني بلا دليل ؛ لأنّه جمع بين المتعارضين جمعاً تبرعيّاً وهو غير معتبر كما بيّن في أصول الفقه . وعليه فاستخلافه أبا بكر في الصلاة غير ثابت من طريقهم أيضاً لورود عزله في هذه الرواية ، بل ذكرنا أنّ القضية مكذوبة من أصلها . ثمّ الصحيح عدم دلالة الأمر بإمامة الصلاة على الخلافة بوجه ؛ فإنّها ليست ممّا يحتاج إلى إذن مخصوص من النبيّ الأكرم ( ص ) بل كلّ من كان عادلًا - على قول أهل الحقّ - يجوز له أن يؤمّ الناس في الصلاة ؛ فليس أبو بكر - بفرض صحّة الاستخلاف - هو الإمام وحده لا غيره ، بل كلّ عادل إمام ، فقولهم في تلفيقهم : فليبق بعده إماماً لغو ، ومنه يظهر فساد قولهم : فكذا في غيرها ؛ إذ جميع الأصحاب العدول أئمة الصلاة وليسوا بخلفاء ، فأين القول بعدم الفصل ؟ ! . وأمّا ما نسبوا إلى أمير المؤمنين ( ع ) فكذبه واضح عند كلّ عاقل لم يعم قلبه ، فإنّه ( ع ) رأس المخالفين لإمارة أبي بكر ، وقد مرّ أنّه لم يبايعه طيلة حياة فاطمة ( ع ) فلو كان الاستخلاف المذكور حقّاً ، وكان مستلزماً للخلافة لما تأخّر عن بيعته ولما اعتزله فإنّه ( ع ) مع الحقّ والحقّ معه . تنفيد مزعمة النص الاستدلال بالروايات لخلافة أبي بكر على الشيعة غير ممكن ؛ لأنّهم لا يرون حجّيتها لضعف إسنادها وعدم وثاقة رواتها مع الغضّ عن تعارضها بالأخبار القطعيّة المتجاوزة حدّ التواتر الدالّة على خلافة أمير المؤمنين عليّ ( ع ) . بل هنا قرائن وأمارات جليّة تدلّ على أنّ قصّة التنصيص بخلافة أبي بكر من اختراع الوضّاعين وجعل القصّاصين . فعن النووي في شرح صحيح مسلم : نقول : لو كان هناك نصّ لكان أبو بكر أعلم به ، ولقال : أطيعوني مستدلّا به ، ولما قال الأنصار : منّا أمير ومنكم أمير ، ولما توقّف علي في البيعة إلى ستّة أشهر ، ولما قال أبو بكر : وددت
--> ( 1 ) - شرح المواقف 3 / 269 .