الشيخ محمد آصف المحسني
199
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
وأنت تعلم أنّ البخاري لتورّعه المعروف « 1 » لا يذكر اسم الخليفة حينما ينقل كلمة ( يهجر ) ولكن حينما يبدّلها بجملة : غلب عليه الوجع ؛ أو غلبه الوجع ، يتيمّن باسمه ، ولا أراه مصيباً في احتياطه هذا ! إذ مفاد هذه الجملة هو بعينه مفاد تلك الكلمة . وملخّص الكلام : أنّ التفوّه بهذه الكلمة في حقّ من شهد الله بعصمته في قرآنه الكريم ، وأوجب طاعته على جميع المكلّفين ، وأخبر بأنّ نطقه عن وحي من ربّ العالمين ارتداد ، ولو كان قائله من المهاجرين الأوّلين ، والكلمة إن دلّت على شيء فإنّما يدلّ على عدم إيمان قائلها بصاحب الرسالة السماويّة كما أنّ كلّ من حاول الدفاع عن القائلين المذكورين فقد أفضح نفسه وساء الأدب في حقّ النبيّ الأكرم ( ص ) شاء أو لم يشأ ؛ إذ محصّل اعتذاره يرجع إلى تفضيل شؤون أصحابه على شرافة نفسه ! ! . نعم ، لو ثبت توبة القائلين من ذلك لحكم بإسلامهم . والله العالم . قال بعض الفضلاء الشعراء ولنعم ما قال : وصى النبيّ فقد قال قائلهم * قد ظلّ يهجر سيّد البشر ورأوا أبا بكر أصاب ولم * يهجر وقد أوصى إلى عمر قال قائلهم : أمره ( ص ) بإحضار الكتاب كان اختباراً لأصحابه فهدى الله عمر لمراده ( ص ) لكن أنصف السندي في شرحه على البخاري حيث ذكر أنّ قوله ( ص ) : لن تضلوا بعده . يأبى عنه . وقال : إن الإخبار بمثل هذا الخبر لمجرّد الاختبار من قبيل الكذب الواضح الذي ينزّه كلامه ( ص ) عنه . وقال بعضهم الآخر : إنّ أمره ( ص ) لم يكن أمر عزيمة بل أمر مشورة فنهى عنه عمر تخفيفاً عليه ( ص ) وخوفاً من أن يكتب أموراً يعجز الناس عنها فيستحقّون العذاب ، واعتماداً على كتاب الله لقوله تعالى : ( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) « 2 » . وقوله : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) « 3 » . لكنّ السندي أجاب عنه بأنّ قوله : لن تضلّوا بعده ، يدل على أنّ أمره للوجوب ؛ إذ السعي فيما يفيد الأمن من الضلال واجب . والخوف المذكور بعد تصريحه ( ع ) بعدم الضلالة بعد الكتابة مرتفع . والكتاب المجيد لا يفي بالأمن من الضلال ، وإلّا لم يضلّ أحد بعد النبيّ والمفروض
--> ( 1 ) - ومن تورّعه أنّه روي في صحيحة عن اثني عشر مئة من النواصب والخوارج ؛ كما عن ابن البيع ولكنّه لم يرو عن الباقر والصادق وغيرهما من العترة الطاهرة ! ! ! . ( 2 ) - الأنعام 6 / 38 . ( 3 ) - المائدة 5 / 4 .