الشيخ محمد آصف المحسني
168
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
الثالث : عدم بيان تمام التكاليف الدينيّة ؛ مقتضي الحكمة ، هو في إذ غالب المسلمين كانوا قريبى العهد بالكفر ، ولو كلّفوا دفعة بما كلّفنا اليوم لم يتحمّلوه ولرجعوا إلى كفرهم ثانياً . وهذه عمدة أسباب تدرّج التشريع كما لا يخفى . وعلى كلّ ، نفس المقدّمة قطعيّة . 6 - إنّ النبيّ ( ص ) لم يلحق بربّه إلّا وأكمل دينه وأتمّ شريعته ؛ ولا بدّ أن يكون كذلك ؛ لأنّ الله بعثه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذنه ، ويتبعه الناس في جميع الأعصار إلى يوم الدين فكيف يقبضه حينما شريعته ناقصة ؟ ! ! . ولا يحتمل بمسلم آمن بالله ورسوله ( ص ) أن يدّعي ذلك لبطلانه عقلًا ونقلًا . أمّا عقلًا فلأنّه نقض للغرض ، وهو قبيح . وأمّا نقلًا فلقوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) « 1 » وقوله ( ص ) : « ما من شيء يقرّبكم إلى الجنة ويبعّدكم عن النار إلّا وقد أمرتكم به ، وما من شيء يقرّبكم إلى النار ويبعّدكم عن الجنة إلّا وقد نهيتكم عنه » . وعلى ضوء جميع هذه المقدّمات ينقدح - بجلاء ووضوح يقيني - وجوب نصب الخليفة وإيداع ما بقي من بيان الشريعة إليه ليبيّنه هو للناس حسب ما تقتضيه المصلحة والحكمة ، وإلّا يلزم إمّا عدم تكليف الناس بعد حياة النبيّ بدين الإسلام وهو باطل كما ذكرنا في المقدّمة الأولى ، أو أنّ الشريعة منحصرة بمابيّنه النبيّ الأكرم فقط ، وهو فاسد بحكم المقدّمة الثانية والخامسة . أو أنّ الناس هم المختارون لجعل الأحكام ، ولكن مرّ تزييفه في المقدّمة الثالثة أو نقول بأنّهم مكلّفون ولو بما يبيّنه النبيّ ( ص ) ! وقد عرفت سقوطه في المقدّمة الرابعة . أو أنّ الأدلة الأربعة المعهودة كافية للمهمة ، ولكن دريت ضعفها في المقدّمة الخامسة . أو إهمال النبيّ أمر الشريعة وحال الأمّة ! وقد أبطلته المقدّمة السادسة . فإذا بطلت هذه اللوازم ثبت - ثبوتاً قطعيّاً قهريّاً - أنّ النبيّ الأكرم أودع الأحكام إلى غيره من بعض أفراد أمّته ليوصل إلى الناس ، ولا بدّ من تعريف هذا الشخص لأمّته في حياته ليستمعوا إلى أقواله وينقادوا لإرشاده وهدايته ، ولا يجوز لأحد مخالفته كأن يقول : فلان وصيي استمعوا إلى قوله ، أو يقول : انا مدينة العلم وفلان بابها ، ومن أراد المدينة فليأتها من الباب وما يقاربهما . وأنت إذا راجعت ما ذكرناه - في المقصد الخامس والسادس حول وجوب التكليف ووجوب بعثة الأنبياء والرسل ( ع ) - تعرف أنّ الأمر في النبوّة والخلافة شيء واحد ولكليهما ملاك واحد بلا فرق ، وأنّ هذا الوجوب ليس بعقليّ محض ولا بنقليّ صرف . وبعبارة أخرى : وجوب نصب الخليفة والرسول والتكليف ليس من المستقلّات العقليّة ،
--> ( 1 ) - المائدة 5 / 3 .