الشيخ محمد آصف المحسني
164
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
ابتلى رسوله الخليل بكلمات فأتمهّن فمنّ الله عليه وجعله للناس إماماً ، وهذا لا يصحّ إلّا بناء على أفضليّة الإمامة من الرسالة والنبوّة والخلّة . والمستفاد من الروايات المشار إليها أفضليّة الرسالة والنبوّة من الإمامة ! نعم دلّت روايات كثيرة على أفضليّة أشخاص الأئمة ( عليهم السلام ) من الأنبياء والرسل كما سيأتي ذكرها ، لكنّه شيء آخر لا ربط له بمحلّ البحث ، وهو التفاضل بين نفس المناصب . وهذه الإشكالات الثلاثة قريب المأخذ كما لا يخفى ، وإنّي لأجد الاعتراف بالعجز عن حلّها - حلّاً تركن إليه النفس وتسكن به كلياً - أقرب إلى الإنصاف وتعظيم الناموس العلمي من ذكر احتمالات غير مفيدة ولا مقنعة . ثمّ إنّ هذه الإشكالات كجملة من المباحث المذكورة في هذا الكتاب ممّا لم أجد التعرّض لها في كلام أحد ممّن يحضرني كتبهم عاجلًا ، والله الهادي . والمتحصّل من جميع ما مضى أنّ هنا أمرين : الإمامة ؛ والخلاقة . والأولى : منصب تأصلي يؤتيه الله لمن يشاء من عباده ، وله لوازم خاصّة . يستفاد ذلك من الكتاب العزيز والروايات ، والمتّصف به هو نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى « 1 » ومحمّد ووصيّه عليّ وأحد عشر من أبنائه - صلوات الله وسلامه وتحياته عليهم - كما يظهر من الكتاب والسنّة ، وأمّا غير هؤلاء المعصومين المطهّرين فلم أجد عاجلًا دليلًا دلّ على اتّصافه به . وهذا المنصب يجتمع مع الرسالة ، ويصدق بدونها ، بخلاف الخلافة فإنّها لا تجامع الرسالة قطعاً واتّفاقاً . والثانية : منصب نيابي يتّصف به من دلّ الدليل على صحّة قيامه مقام الرسول الأكرم ( ص ) وهذا هو محلّ النزاع بين المسلمين والمتّفق عليه مفهومه ، وهو المقصود بالبحث في هذا المقصد ، ونحن إذا نطلق لفظ الإمام في كثير من مباحث هذا المقصد نريد به خليفة النبيّ الأكرم ( ص ) دون معناه الخاصّ المتقدّم ، فافهم جيّداً . إذا تقرّر هذا فلنرجع إلى مباحث أصل المقصد بذكر أبواب ؛ نسأل الله تعالى أن يوفّقنا للطريقة الحقّة واتّباعها ، وأن يجنّبنا من العصبيّة واللجاجة وعن تفدية الدليل بالتقليد ، وأن يجعلنا وإيّاكم - أيّها القرّاء الكرام - من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ، وأن لا يجعلنا من الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً . اللهمّ اهدنا لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم .
--> ( 1 ) - أمّا عدّ نوح وموسى وعيسى ( عليهماالسلام ) من الأئمة فلأجل إمامة إسحاق ويعقوب كما مرّ بضميمة ما سبق أيضاً من أفضلية أولي العزم من غيرهم ، فافهم جيّداً .