الشيخ محمد آصف المحسني

144

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

من الدائر على الألسن أنّ وصف القرآن بالنزول التي ( الذي ظ ) لا يتّصف به إلّا المتحيّز بالذات دون الأعراض وسيّما غير الغارات ( القارات ص ) كالأصوات ، إنّما هو بتبعيّة محلّه ، سواء أخذ حروفاً ملفوظة أو معان محفوظة ، وهو الملك الذي يتلقّف الكلام من جناب الملك العلّام تلقفاً سماعيّاً ، أو يتلقّاه تلقّياً روحانيّاً ، أو يتحفّظه من اللوح المحفوظ ثمّ ينزل به على الرسول . ولا يتمشّى هذا الخط إلّا على القول بتجسّم الملائكة ؛ وإنّما الخارجون عن دائرة التحصيل ممشاهم ذلك ! . فأمّا على ما هو صريح الحق وعليه الحكماء الإلهيون والمحصّلون من أهل الإسلام أنّ الملائكة على قبائل سفليّة وعلويّة ؛ أرضيّة وسمائيّة ؛ جسمانيّة وقدسانيّة ، وفي القبائل شعور وطبقات كالقوى المنطبعة ، والطبايع الجوهريّة وأرباب الأنواع والنفوس المفارقة السماويّة والجواهر العقليّة القادسيّة بطبقات أنواعها وأنوارها ومنها روح القدس النازل بالوحي النافث في أرواح أولي القوة القدسية . . . فالأمر غير خفي ، اللهمّ إلّا أن يسمّى ظهورهم العقلائي لنفوس الأنبياء نزولًا ، انتهى . وكلامه طويل جداً . وقال تلميذه صدر الدين الشيرازي في الفصل السابع من الموقف السابع من كتابه الأسفار - عند البحث عن تكلّمه تعالى وعن كيفيّة الوحي - : إنّ الروح الإنساني إذا تجرّد عن البدن ، وخرج عن وثاقه من بيت قالبه ؛ وموطن طبعه مهاجراً إلى ربّه لمشاهدة آياته الكبرى ، وتطهّر عن درن المعاصي واللذات والشهوات والوساوس العاديّة والتعلّقات لاح له نور المعرفة والإيمان بالله وملكوته الأعلى ، وهذا النور إذا تأكّد وتجوهر كان جوهراً قدسيّاً يسمّى عند الحكماء في لسان الحكمة النظرية بالعقل الفعال ، وفي لسان الشريعة النبويّة بالروح القدسي . وبهذا النور الشديد العقلي يتلألأ فيه أسرار ما في الأرض والسماء ويتراءى منه حقائق الأشياء ، كما يتراءى بالنور الحسي البصري الأشباح المثالية في قوة البصر إذا لم يمنعها حجاب ، والحجاب ها هنا هو آثار الطبيعة وشواغل هذا الأدنى ؛ وذلك لأنّ القلوب والأرواح بحسب أصل فطرتها صالحة لقبول نور الحكمة والإيمان ، إذا لم يطرأ عليها ظلمة تفسدها كالكفر ، أو حجاب يحجبها كالمعصية ، وما يجري مجراها كما في قوله تعالى : ( وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ) « 1 » . وقوله : ( بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) « 2 » . فإذا أعرضت النفس عن دواعي الطبيعة وظلمات الهوى والاشتغال بما تحتها من الشهوة

--> ( 1 ) - التوبة 9 / 87 . ( 2 ) - المطفّفين 83 / 14 .