الشيخ محمد آصف المحسني

116

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

وَالْحِكْمَةَ ) « 1 » فكيف كان يعلّمهم ما لا يحسن ؟ والله لقد كان رسول الله ( ص ) يقرأ ويكتب باثنين وسبعين ، أو قال : بثلاثة وسبعين لساناً . وإنّما سمي الأمي ؛ لأنّه كان من أهل مكّة ، ومكّة من أمّهات القرى ، وذلك قول الله عز وجلّ : ( لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها ) « 2 » . أقول : الرواية تدلّ على أنّه ( ص ) يحسن الكتابة لا أنّه كتب كتاباً فإنّه هو مورد السؤال ، وهو الظاهر من الجواب أيضاً ، فإنّه لا شكّ أنّه ما كتب بعشرين لغة فضلًا عن سبعين لساناً ، وهذا دليل قطعيّ على أنّ المراد هو التمكّن من الكتابة والقراءة لا وقوعهما ، بل هو المنصوص في قوله ( ع ) : يعلّمهم ما لم يحسن ؟ . فمفاد الرواية أنّه ( ص ) كان عالماً بالكتابة بعد رسالته ، وهذا امر نقول به وإن لم تكن هذه الرواية . ومن هذا البيان يظهر الحال في ( ثانيتهما ) وهي مرفوعة علي بن أسباط « 3 » على أنّها ضعيفة سنداً . بل الأولى أيضاً ضعيفة ؛ فإنّ رجال السند وإن كانوا ثقات غير أنّ الصوفيّ المذكور مهمل لم أحده في الكتب الرجالية . وممّا يدلّ على أنّه ( ص ) يحسن الكتابة قوله ( ص ) - المتّفق عليه بين المسلمين في مرض وفاته : - « إيتوني بداوة وكتف - بياض - لأكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعدي أبداً » . لكن منع عمر منه ، وقال : قد غلبه الوجع . أو قال : إنّه يهجر - نعوذ بالله منه - إلّا أن يقال : إنّه ( ص ) كان يأمر أحد أصحابه بالكتابة وهو خلاف الظاهر . والمتحصّل من جميع ذلك : أنّ النبيّ الخاتم ( ص ) لم يقرأ قبل النبوّة قطعاً ، وقرأ بعدها كما دلّ عليه الروايات ، وأنّه ( ص ) لم يكتب أصلًا وإن كان يحسن الكتابة بعد رسالته ؛ وذلك لدلالة الروايات عليه كما عرفت ، لا لوجوه ذكرها شيخنا المفيد في أوائل المقالات « 4 » فإنّها غير ناهضة على مرامه أصلًا . وهذا - أي كونه ( ص ) يحسن الكتابة - مذهب جماعة من الإمامية ، ويخالف فيه باقيهم ، وسائر أهل المذاهب والفرق يدفعونه وينكرونه كما نص عليه المفيد ( قدس سره ) . قال بعض الأجلاء « 5 » : إنّ المشهور لدى المفسّرين وجمهور المسلمين أنّه ( ص ) أمّي أي لا

--> ( 1 ) - الجمعة 62 / 2 . ( 2 ) - الأنعام 6 / 92 . ( 3 ) - البحار 16 / 133 . ( 4 ) - أوائل المقالات / 113 . ( 5 ) - لاحظ كلامه في حاشية أوائل المقالات / 113 .