الشيخ محمد آصف المحسني

51

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

المطلب التاسع : في نفي اللذّة والألم عنه تعالى أمّا نفي اللّذة والألم المزاجيين عنه تعالى ، فلانتفاء المزاج عنه ، وهو واضح ، وأمّا نفي الألم العقلي فلأنّه لا منافي له في الوجود أصلًا ليتألّم من إدراكه ، فإنّ الكل قائم بإرادته ، موجود بمشيته . وهو الفاعل لما يشاء ، ولا يفعل ما يشاء أحد غيره . لا يقال : أليس معاصي العباد وتمرد المكلفين عن طاعته موجبةً لتألّمه ؟ ! وكيف لم تكن موجبة له ، والحال أنّه يغضب ويسخط على الكافرين والظالمين كما أخبر في قرآنه الكريم ؟ ! فإنّه يقال : جميع ما يصدر في دار الوجود بإرادة الله ، كما يدل عليه أدلة التوحيد : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ « 1 » . و قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ « 2 » . ومن الضروري أنّ المختار لا يوجد باختياره ما ينافره ويتألّم منه قطعاً ، وأمّا غضبه وسخطه فهما ليسا بمعنى التألّم ، بل معنى العقاب والعذاب غير المستلزم للتألّم ، ألا ترى أنّ الرئيس ينتصف من الظالم للمظلوم حفظاً لنظام الرعية وأمان المملكة ، مع أنّه قد لا يتألّم من مظلومية المظلوم لعدم ارتباطه به ؟ فعقابه تعالى للكافرين ناشٍ من المصلحة الواقعية دون العواطف والتألم النفساني ، وهذا واضح . ثم لا أظنّ أن تتوهم ممّا ذكرنا من استناد الكلّ إلى إرادته تعالى الجبر وسلب الاختيار عن المكلفين ، فإنّ ما ذكرنا لا ينافي الاختيار والأمريين بين الأمرين ، كما ستطلّع عليه في مباحث المقصد الخامس إن شاء الله . وأمّا اللذّة العقلية فقد أثبتها الحكماء له تعالى ، وقالوا : إنّ ذاته تعالى أجلّ مدرك بالكسر ؛ لأنّ ذاته حاضرة لدى ذاته ، لا ماهية له فضلًا عن المادة والموضوع ، وما تناله المدارك بوجودات متشتتة ، يناله بمدرك واحد جمعي هو ذاته المتعالية بأتمّ إدراك ؛ لأنّ علمه حضوري ذاتي تفصيلي بغيره ، فكيف بذاته ؟ لأبهى مدرك لكونه غير متناهٍ في البهاء والجمال ، فهو مبتهج بذاته وعاشق لذاته بنهجة أقوى وبنحو أتمّ ، فإنّ تمامية الابتهاج تدور على تمامية هذه الأشياء .

--> ( 1 ) - آل عمران 3 / 78 . ( 2 ) - الرعد 13 / 16 .