الشيخ محمد آصف المحسني
49
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
المطلب الثامن : في نفي الحاجة عنه تعالى مفهوم الواجب : أنّه مستغنٍ في ذاته ووجوده عن غيره ، وحيث إنّ صفاته عين ذاته المقدسة فلا يحتاج فيها أيضاً إلى غيره . وأمّا ما سوى الله من بلايين مجرّات فهي من إيجاده وضعه وافتقارها إليه تعالى في حدوثها وبقائها . ثمّ إن ما به الاحتياج إلى غيره إن كان من المستحيلات فلا غير يمكن منه الاستعانة وإ ، فرضناه واجباً فإن المحال لا يقبل الوجود ، وإن كان ممكناً فوجوده تابع لإرادة الواجب وعدمه مستند إلى عدم إرادته ، فلا يعقل الحاجة في حقّه . وأيضاً المحتاج إليه إن كان واجباً ننقل الكلام إليه حتى يتسلسل ، أو يلزم الترجيح بلا مرجح ، بل الترجّح بلا مرجّح . وإن كان ممكناً فقد جاء الدور ، فإنّ الممكن يفتقر إلى الواجب حدوثاً وبقاءً فلا يصح العكس ، وهذا الظاهر ، إلا أن يقال : إنّ هذا التقريب ينفي المحتاج إليه ، لا نفس الحاجة ، فتأمّل . أقول : لازم كلام من قال - كالأشعريين - بزيادة الصفات القديمة على ذاته تعالى ، هو احتياج الواجب إليها . ويلحق بهم القائل بالصور المرتسمة في ذاته تعالى ، حيث إنّ الواجب محتاج إليها في إيجاد العالم ، وكذا لازم قول من قال بحلوله تعالى ببعض الأشياء أيضاً هو احتياجه . لكنّ مثل هذا الاحتياج لا يبطل بالدور المذكور وغيره ، فإنّ الصفات والصور والمحلّ محتاجة إلى ذاته تعالى من حيثية الوجود ، ومحتاج إليها من حيثية الحلول والإيجاد والإحاطة ونحوها ، ومن الظاهر أنّ تعدّد الحيثية التقييدية يبطل الدور من أساسه . ثم إنّ هذا الافتقار لا يرجع إلى وجود الواجب فلا ينافي وجوبه ، كما أنّ عدم الحلول والصور وعدم زيادة الصفات ليس من الممكنات عند القائلين بها حتى ينافي الافتقار إليها عموم قدرته ، فإنّها - أي حلوله وزيادة صفاته وارتسام الصور فيه - ضرورية الثبوت له تعالى على زعمهم المزيف ، كما لا يخفى ، فلا بد لنفي هذا النحو نم الحاجة من التماس دليل آخر . وأمّا ما عوّل عليه ابن سينا « 1 » من أنّ افتقاره في صفاته يستلزم إمكانه - لأن ذاته موقوفة
--> ( 1 ) - شرح التجريد للعلّامة / 181 .