الشيخ محمد آصف المحسني

42

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

تلك المرتبة ، بل عين الفقر إليها ، وإذا سئلوا بأن الفقر ينافي الوجوب ، يجيبون بعدم المنافاة ؛ لأنّ هذا الفقر فقر إلى نفس الحقيقة ، والافتقار المنافي للوجوب هو الفقر إلى الغير ، لا فقر الشيء إلى نفسه . أقول : وهو كما ترى . وقال صاحب الأسفار « 1 » : فكذلك هداني ربّي بالبرهان النيّر العرشي إلى صراط مستقيم ، من كون الموجود والوجود منحصراً في حقيقة واحدة شخصية ، لا شريك له في الموجودية الحقيقة ، ولا ثاني له في العين ، وليس في دار الوجود غيره ديّار . وكلما يتراءى في عالم الوجود أنّه غير الواجب المعبود فإنّما هو من ظهورات ذاته وتجلّيات صفاته التي هي في الحقيقة عين ذاته « 2 » . انتهى . وقال في مقام آخر : إنّ لجميع الموجودات أصلًا واحداً وسنخاً فارداً هو الحقيقة ، والباقي شؤونه ، وهذا الذات وغيره أسماؤه ونعوته ، وهو الأصل وما سواه أطواره وشؤونه ، وهو الموجود وما وراءه جهاته وحيثياته . ولا يتوهّمنّ أحد من هذه العبارات أنّ نسبة الممكنات إلى ذات القيّوم تعالى نسبة الحلول ، هيهات ، إنّ الحالية والمحلّية ممّا يقتضيان الاثنينية في الوجود بين الحالّ والمحلّ ، وها هنا - أي عند طلوع شمس التحقيق من أفق العقل الإنساني المتنور بنور الهداية والتوفيق - ظهر أن لا ثاني للوجود الواحد الأحد الحق ، واضمحلّت الكثرة الوهمية ، وارتفعت أغاليط الأوهام . . . إلى أن قال : فما وضعناه أولًا أن في الوجود علةً ومعلولًا بحسب النظر الجليل ، قد آل آخر الأمر بحسب السلوك العرفاني إلى كون العلة منهما أمراً حقيقياً والمعلول جهة من جهاته ، ورجعت علّية المسمّى بالعلة وتأثيره للمعلول إلى تطوره بطور وتحيّثه بحيثية ، لا انفصال شيء مباين عنه « 3 » . انتهى . وقال في موضع آخر : وأشبه التمثيلات في التقريب ، والتمثيل بالواحد ونسبته إلى مراتب الكثرة . . . فإنّ الواحد أوجد بتكرره العدد ، إذ لو لم يتكرر الواحد لم يمكن حصول العدد ، وليس في العدد إلا حقيقة الواحد لا بشرط شئ ، لست أقول : بشرط لا شيء وبينهما من الفرق كما بين الوجود المأخوذ لا بشرط ، أي طبيعة الوجود الذي عمومه باعتبار شموله وانبساطه ، لا باعتبار كليته ووجوده الذهني . . . وبين الوجود المأخوذ بشرط لا شيء وهو المرتبة الأحدية عند العرفاء وتمام حقيقة الواجب عند الفلاسفة ، والأول هو حقيقة الحق عند العرفاء ؛ لإطلاقه

--> ( 1 ) - الأسفار الأربعة 2 / 292 . ( 2 ) - الأسفار الأربعة 2 / 292 . ( 3 ) - الأسفار الأربعة 2 / 300 .