الشيخ محمد آصف المحسني
25
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
ولكنّ المشّائين - وهم أصحاب القول الأول - يجعلون الأول أعمّ من الثاني « 1 » . فعن ابن سينا في بعض كلماته : لا جسم إلا ويلحقه أن يكون له حيز إمّا مكان وإمّا وضع وترتيب . أقول : ومثّلوا للثاني بالجسم المحدد للجهات ، إذ لا محيط فوقه على زعمهم ، فهو جسم لامكان له على هذا القول لكن يشار إليه فهو ذو وضع . إذا تقرر ذلك فنقول : الواجب الوجود لامكان له ولا جهة له ، بل هو خالق الأحياز والجهات ، والدليل عليه من وجوه : 1 - لو كان متحيزاً لكان حيزه قديماً بالضرورة ، فإن كان واجباً يبطله أدلة التوحيد ، وإن كان ممكناً يزيّفه دلائل حدوث العالم . نعم ، إن فرضنا الحيّز موهوماً كما في القول الثالث فهذا البرهان لا يكفي لنفيه عنه تعالى ؛ لعدم الدليل على بطلان أزلية الموهومات . 2 - لو كان متحيزاً لكان محاطاً لحيّزه ، ضرورة إحاطة كلّ حيّز بمتحيّزه ، وكلّ محاط محدود ، ولا ريب عقلًا ونقلًا أنّ الواجب لا حدّ له أصلًا وفي رواية ابن أذينة عن الصادق ( ع ) « . . . لأنّ الأماكن محدودة تحويها حدود أربعة ، فإذا كان - أي حضوره تعالى للأشياء - بالذات لزمه الحواية » « 2 » . 3 - لو كان مكانياً لكان مركباً ، والتالي لاستلزامه الإمكان باطل فيبطل المقدم . بيان الملازمة : أنّ المكان المذكور إمّا أن يقبل الانقسام خارجاً وإمّا أن لا يقبله . والثاني فاسد لفساد الجزء الذي لا يتجزّأ بالضرورة ، والأول يوجب تركب الواجب . ثم إنّ هذا البرهان يجري في فرض كون المكان مادياً ، وأمّا إذا كان مجرداً فلا ، كما لا يخفى . 4 - لو كان متحيزاً لكان مفتقراً في تحيّزه إلى حيّزه بالضرورة ، لكنّ الافتقار عليه تعالى محال ، فلا يكون مكانياً . أقول : وفيه بحث ، إذ الممتنع عليه تعالى هو افتقاره في وجوده إلى غيره ، وأمّا في غير الوجود فلا برهان على امتناعه عليه . وسيأتي تفصيله في المطلب الثامن من هذا المقصد إن شاء الله تعالى . وربما قرر هذا الدليل بتقرير آخر ، وهو : أنّ المتمكن محتاج إلى مكانه بحيث يستحيل وجوده بدونه ، والمكان مستغن عن المتمكن لجواز الخلاء فيلزم إمكان الواجب ووجوب المكان ، وكلاهما باطل .
--> ( 1 ) - قيل : الحيّز عند المتكلّمين : هو الفراغ المتوهّم المشغول بالمتحيّز الذي لو لم يشغله لكان خلاء ، كداخل الكوز بالنسبة إلى الماء ، والمكان عندهم قريب إلى معناه العرفي . . . إلى آخره . أقول : وفي النسبة نظر تظاهر . ( 2 ) - البحار 3 / 322 .