الشيخ محمد آصف المحسني

15

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

أولًا : بما في مختار الصحاح : أدركه ببصره ، أي رآه ، فقد تمّ ما قررناه أولًا . ثانياً : أنّ رؤيته مساوقة لإدراكه ، فنفي إدراكه بعينه نفي لرؤيته بتقريب مرّ في الدلائل العقلية . وثالثاً : لو كان المراد نفي الرؤية مع الإحاطة لا مطلقها ، لما كان لتخصيصه به سبحانه وجه أصلًا ، إذا أكثر المبصرات لا يحاط بها ، فضلًا عن أن يتمدح به . ثم إنّه لم يكتف بهذا المقدار ، حتى ادّعى أنّ الآية تدلّ على صحة رؤيته ، بل على وقوعها ! وإليك بعض وساوسه وأوهامه ، قال : إنّ الله تمدّح بقوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ « 1 » كما قلتم ، فلابد أن تكون رؤيته جائزة ، فإنّ الشيء إذا كان في نفسه جائز الرؤية ، ثم إنّه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إداركه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح . أقول : وقد خفي عليه أنّ هذا التلفيق لو تمّ لدلّ على إمكان الولد والصاحبة له تعالى ، وإمكان زوال علمه بكل شيء عنه ، فإنّ الله تمدّح بنفي الأولين وثبوت الثالث في نفس هذه الآية ، والمدح في قاموس الأشعرييّن يلازم إمكان الممدوح به ! ! ولعلّه يلتزم به حتى يتمّ قول مشايخه في مسألة الرؤية . وحلّ الإشكال : أنّ المدح كما يصح بالأفعال الاختيارية كذلك يجوز بالكمالات الذاتية ، قال الله تعالى : قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً « 2 » . وأما بقية أوهامه فتر كناها لعدم الفائدة في إيرادها وإبطالها سوى إطالة المقام . 9 - قوله تعالى : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ « 3 » . قال بعض السادة الأمجاد « 4 » ما هذا ملخّصه : هاتان آيتان متصلتان ، والأولى نصّت على عقوبة متخذي العجل بقتل أنفسهم ، ونصّت الثانية على عقوبة الطالبين رؤية الله جهرة بالصاعقة تأخذهم وهم ينظرون ، وهذا بمجرده يوجب القطع بتساوي الجرمين في الكفر ؛ لتساويهما في

--> ( 1 ) - الأعراف 7 / 143 . ( 2 ) - الإسراء 17 / 111 . ( 3 ) - البقرة 2 / 56 . ( 4 ) - مؤلف كلمة حول الرؤية / 20 .