الشيخ محمد آصف المحسني
131
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ . . . « 1 » قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ « 2 » قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ « 3 » . ومنها قوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ « 4 » ، وهي كثيرة جداً ، فقد أخبر الله تعالى عن تحقق الفحشاء والإثم والبغي والمنكر ، والعدل والإحسان والقسط قبل الأمر والنهي ، فإن الموضوعات متقدمة على الأحكام ، ثمّ تعلّق أمره بالطائفة الثانية ، كما أنّ نهيه توجّه إلى الطائفة الأولى . وهذا واضح لكل عاقل ، فلو فرض توقف هذه العناوين على الحكم الشرعي لزم الدور المحال ، كما لا يخفى . ولا بد للأشعريين أن يؤوّلوا هذه الآيات على أصلهم الفساد هكذا : إنّ الله لا يأمر بما ينهى ، أمر ربي بما أمر . إنّما حرم ربّي ما نهى . . . ، وفساده واضح . فتحصل : أنّ النواميس العقلية والموازين الدينية تزيّفان موقف هؤلاء الناس في المسائل الأصولية . فإن قلت : الحسن ما يثاب عليه ، والقبيح ما يعاقب عليه ، ومن الظاهر أنّ الثواب والعقاب من قبل الله تعالى وبإخباره ، ولا علم بهما لغيره ، وهذا معنى كون الحسن والقبح شرعيين كما ذكره بعضهم . قلت : قد أجيب عنه بأنّ الموقوف على الشرع هو خصوصية الثواب والعقاب ، وأمّا أصلهما فهو ثابت عقلًا . أقول : الثواب والعقاب لا مدخلية لهما في تحقّق الحسن والقبح ، بل الذي يلزمهم هو المدح والذمّ العقلائيان . نعم ، وحيث إنّ الله خالق العقلاء وعالم بالواقعيات والأمور نفس الأمرية وذو حكمة بالغة فيأمر بالحسن وينهى عن القبيح ، ويمدح المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته ، ومدحه ثوابه أو شيء آخر في الدنيا ، وذمّه على المحرّمات عقابه ، وأمّا على المكروهات فهو شيء آخر كالعتاب أو حطّ المقام أو منع بعض الألطاف ونحوها ، بل استحقاق الثواب غير لازم للحسن ؛ لاشتراطه بالإيمان فضلًا عن الإسلام ، والموافاة عليه وقصد القربة ونحوهما . وكذلك العقاب مشروط بعدم العفو من الله تعالى والشفاعة من أوليائه والتوبة من المذنب ، مع أنّ الذّم لا يقبل الإسقاط عن القبيح ، فلا ربط للعقاب والثواب بالمدح والذمّ ، فافهم فإنّه حقيق به .
--> ( 1 ) - الأعراف 7 / 28 . ( 2 ) - الأعراف 7 / 27 . ( 3 ) - الأعراف 7 / 33 . ( 4 ) - النحل 16 / 90 .