الشيخ محمد آصف المحسني
128
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
تمهيد : من الضروريات البتّية : أنّ الأفعال الاختيارية تتصف بالحسن والقبح العقليين ، بمعنى أنّ بعضها مذموم وبعضها ممدوح ، ويكون فاعل الأول مستحقاً للذمّ والتحقير ، كما أنّ فاعل الثاني مستأهل للمدح والتوقير . وهذا أمر واضح بديهي عند العقلاء ، سواءكانوا من المتشرّعة ، أم من الكفرة والزنادقة والبراهمة ، وبلا تفاوت فيه بين قوم وقوم ، وحال وحال ؛ وذلك لأجل أنّ استحقاق المحسن للمدح ، والمسئ للذمّ ممّا ارتكز في أذهان جميع البشر ، وممّا أودعه الله في كينونة الإنسان ، فهو - بما له من الطوارئ المقسمة له من الأمكنة والأزمنة والعنصرية واللغة واللونية والديانة ونحوها - مفطور ومجبول على الحكم بالمدح على بعض الأفعال والذمّ على بعضها الآخر ، فقولنا : إنّ بعض الأفعال حسن وبعضها قبيح - أي يستحق بعضها المدح وبعضها الذمّ من العقلاء - بمنزلة قولنا : إنّ الأكل يسدّ الجوع ، وإنّ تعظيم الناس يسرّهم ، وإنّ النائم غافل ، ونحوها من الأمور الواضحة . وإنّي لا أظنّ بأحد من العقلاء أن ينكر ذلك ، بل إنّ نفسي مطمئنة بأنّ الجماعة الموسومة بالأشاعرة الذين كتبوا إنكار الحسن والقبح العقليين في بطون الأوراق « 1 » هم مثل غيرهم من العقلاء يعاملون معاملة المدح والذمّ ، فإنّ التخلّف عن الفطريات غير ممكن ، فالإنكار مختص بالكتابة أو المناظرة فراراً من إلزامات خصومهم اللازمة لهم من بعض مذاهبهم الفاسدة ، وإلا فالأشعري الناس ! ولو وجد أحد ينكر الحسن والقبح لساناً وقلباً وعملًا فأنا أقسم صادقاً أنّه محروم من العقل ، وأنّه غير مكلّف بشيء . وبالجملة : حال المنكر للمقام حال الجبري والسوفسطائي ، حيث إنّهما ينكران الاختيار ووجود الأشياء حين الكتابة والمناظرة فقط ، وإلا فهما مثل الاختياري والفلسفي في مرحلة الحياة العملية . فهل يمكن لأشعريّ أن لا يمدح المحسن ولا يرضي ضميره بفعله الحسن ، ولو فرضناه جاهلًا بالحكم الشرعي ؟ وهل يمكن لجبري أن لا ينتقم من المجرم والظالم ، ويعامل مع القاتل مثلًا معاملة السيف في المعذورية ؟ ! وهل يمكن لسوفسطائي أن لا يفرّ من موارد الضرر ، بل ولا
--> ( 1 ) - قال في المواقف وشرحها « 3 / 145 » : القبيح عندنا ما نهي عنه شرعاً ، والحسن بخلافه ، كالواجب والمندوب والمباح ، فإنّ المباح عند أكثر أصحابنا من قبيل الحسن ، ولا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها ، وليس ذلك عائداً إلى أمر حقيقي في الفعل قبل الشرع يكشف عنه الشرع ، بل الشرع هو المثبت له ، ولو عكس الشارع القضية فحسّن ما قبح وقبّح ما حسّنه لم يكن ممتنعاً ، فصار القبيح حسناً والحسن قبيحاً .