الشيخ محمد آصف المحسني

98

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

القسّيسين والأحبار وكتابهم . وعلى الجملة : أن الموجودات - بكراتها السامية العظيمة وميكروباتها الصغيرة - دليل على وجود اللّه سبحانه وتعالى ولا يتأتي من عاقل صحيح المزاج إنكاره وهذه الواهيات المذكورة مما يصادم الفطرة البشرية في أحكامها الأولية ، وعلى سبيل التوضيح - وإن كان توضيحا للواضحات - ننبه على فساد كلّ واحد واحد : فنقول : أمّا الوجه الأول فقد تقدّم بطلانه في أوائل الكتاب ، وذكرنا أن المدركات العقلية كالحسية في الاعتبار والحجّية ، بل لا يتمّ إدراك حسي إلّا بتوسط الحكم العقلي ، فلا بد ان يكون الإنسان إما شكّاكا وسوفسطائيا أو فلسفيا يقبل العقليات والحسيات معا ؛ إذ لا حدّ فاصل بينهما . ونزيد هنا فنقول : ماذا يريدون بقولهم هذا ؟ فإنّ أرادوا الإحساس المباشري وأنّ الشيء ما لم يحس بنفسه - بأحد الأحاسيس - لا يذعنون به ، فهذا يرفض كيان العلوم الطبيعة بأسرها ، ويبطل المجرّبات التي يقدّسونها من أصلها ، أليست الأرض متحرّكة بحركات مختلفة ؟ أليس للهواء المحيط بنا ثقل عظيم ؟ أليس الأثير موجودا بزعمهم بل جعلوه مبدأ الكائنات ؟ أليس الأتم موجودا ؟ أليست لجاذبية العامّة التي استكشفها نيوتن مسلمة ؟ فهل الحواس أدركت حركة الأرض وثقل الهواء ووجود الأثير والذرة والجاذبية ، فيجوز إنكارها بتاتا ؟ وهكذا الحال في ألوف من نظائرها ، كلا ، فالإحساس المباشري لا يرتبط بقبول الحقائق والمعارف بتاتا . وإن أرادوا الأعم من ذلك وأن الشيء يصدق به ولو بإحساس آثاره - كما هو المقرر الثابت في العلوم التجربية على ما عرفت من الأمثلة المزبورة - فهذا بعينه يجري في المقام ، فإنّ اللّه الواجب القديم المجرّد عن الزمان والمكان ، وإن لم يدرك بإحدى الحواس لكن آثاره محسوسة ، فإن جميع هذه الكائنات المشاهدة المحسوسة آثاره كما تقدم برهانه ، وستعرف أن المادة لا تصلّح للمبدئية بل هي مخلوقة للّه القهّار . وأما الشبهة الثانية فقد مرّ جوابها في الفائدة العاشرة من فوائد المدخل وقلنا : ان التجربة قاصرة عن تثبيت الحكم في خارج الحقل المادي . ونزيدك هنا ونقول : لو صحّت ضرورة العلّة لكلّ موجود لوجب مسببية المادّة المزعومة من مبدأ آخر ، وكلّ شيء تفرضونه مبدأ للأشياء المادية لا بدّ له من سبب بحكم التجربة ، فهذا - مع كونه من التسلسل المحال - يبطل قولكم أيضا . وأما الشبهة الثالثة فهي مخالفة للوجدان ، فإنّ الأحاسيس تشاهد في كلّ يوم ألوفا من