الشيخ محمد آصف المحسني

96

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

بينها فراغ خلافا لأرسطو وأتباعه ، حيث ذهبوا إلى أن الجسم شيء واحد متماسك يمكننا ان نقسّمه إلى أجزاء منفصلة ، لا أنه يشتمل سلفا على أجزاء كذلك « 1 » . ثم إنّ هذا الذرّات غير مختلفة في حقيقتها ، وما يشاهد من اختلاف آثار الموجودات المتكوّنة منها إنّما هو من جهة اختلاف أشكاها وأحجامها وأمكنتها ونظامها وأوضاعها . هذا ولمّا كان الشكل الهندسي متناقضا لعدم التجزّي ، رفضوا شكلها وقالوا : إنّها غير مشكلة ؛ ولذا قال المحقّقون من أهل العصر : إن الجواهر التي نقول بها هي أصغر من جوهر ديمقراط جدا « 2 » . أقول : وهو كذلك قطعا ، فإنّ الذرة التي زعموا عدم امكان تجزئتها ولزوم بساطتها قد وقع عليها التجزئة خارجا عام 1919 م من قبل العالم روترفورد ، ثم علم أن لها اجزاء عمدتها : بروتون ونوترون وألكترون . وذهب لوسيبوس إلى أن تلك الذرّات تتحرّك في الفراغ منذ الأزل ، والأشياء تظهر وتخفى بحسب ما تجمع وتنفصل ، وعن أبيقورس : أنها متحرّكة دائما في الخلاء الذي لا نهاية له بانحراف بعضها على موازاة بعض ، بحيث تصطدم وتحدث حركة لولبية مخروطية كحركة الزوابع ، فتؤدّي إلى تراكيب عديدة وصور متنوعة ومتغيرة . وقال بخنر : أمّا حركة الجواهر عندنا فمن تضادّ قوتي الجذب والدفع اللتين نعتبرهما غريزتين في الجوهر « 3 » . هذا ، ولكن لما رأى بعض العلماء أن الفراغ مستحيل في الطبيعة فرضوا أن تلك الجواهر تسبح في مادة لطيفة أو غاز « 4 » أخف من الهواء أو سائل تام الاتصال مالئ للخلاء سمّوه الأثير ، تتحرك فيه الجواهر التي هي أجزاؤه حركة الزوابع في الهواء الهادئ ، ومن أحوال اجتماعها بالحركة وأفاعيلها تظهر صور الكائنات ، وهذه الجواهر في الرأي القديم هي أزلية أبدية لم تحدث بعد العدم ، ولا تتلاشى ولا تنعدم وإنما تخفى بتفرّقها . ولكن الرأي الجديد حسب اكتشافات العالم الفرنسي - غوستاف لبون - الرأي المبني على المشاهدة والاختبار بحيث وافقه أكثر علماء أوروبا - هو أنّ المادة قوّة متكاثفة ، وأن المادة ليست أبدية بلا تتلاشى بانحلالها إلى القوة ، والقوة أيضا تنحلّ إلى الأثير ، كما أن المادة ليست أزلية ، بل إن الأثير تكاثف في الأزمان البعيدة - بسبب لا نعلمه - فصار مادّة « 5 » . وأمّا البحث الثاني - وهو انحصار الموجودات في مضيقة المادة وعدم الحاجة إلى علّة

--> ( 1 ) فلسفتنا / 318 . ( 2 ) الرحلة المدرسية / 274 . ( 3 ) الرحلة المدرسية / 298 . ( 4 ) جوهر هوائي قابل للضغط سيال . ( 5 ) الرحلة المدرسية للشيخ جواد البلاغي / 275 .