الشيخ محمد آصف المحسني

94

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

من هم المخالفون في هذا المقصد ؟ وما هو اعتقادهم ؟ نسب إلى جماعة من القدماء كذيمقراطيس وأتباعه إنكار حاجة الممكن إلى المؤثّر ، وجعلوا كان العالم بالبخث والاتفاق ، وأنكروا أن يكون له صانع أصلا ، ورأوا أن مبادئ الكل أجرام صغر لا تتجزّى لصغرها وصلابتها ، وأنّها غير متناهية بالعدد ، ومبثوثة في خلاء غير متناه ، وأن جوهره في طبايعها جوهر متشاكل ، وبأشكالها تختلف ، وأنّها دائمة الحركة في الخلاء ، فيتفق أن يتصادم منها جملة فتجتمع على هيئة ويكون منها عالم ، وأنّ في الوجود عوالم مثل هذا العالم غير متناهية بالعدد ، لكن مع ذلك يرون أن الأمور الجزئية - مثل الحيوانات والنباتات - كائنة لا بحسب الاتّفاق بل بحسب أسباب سماوية وأرضية ، وفرقة أخرى منهم - كانباذقلس ومن يجري مجراه - لم يقدموا على أن يجعلوا العالم بكلّيته كائنا بالاتفاق ، ولكنهم جعلوا الكائنات متكوّنة عن الاسطقسات بالاتّفاق ، وبالجملة فهؤلاء بأجمعهم يجوّزون الحدوث بلا سبب والكون بلا علة . « 1 » أقول : هل ذيمقراطيس ( 460 ق م ) وانباذقلس كانا منكرين للواجب لذاته أم لا ؟ سؤال لا طريق لنا إلى جوابه جزما . وقد ذكر بانگون « 2 » أن الأول ليس بمادي بل كان يعتقد وجود الروح ، وذكر صاحب الأسفار أن كلام الثاني ناظر إلى أصالة الوجود واعتبارية الماهيات ، وذكر غيره أن مراده هو إنكار العلة الغائية « 3 » ، لكن هذه الضلالة الخبيثة والجهالة المبطلة حد الانسانية حدثت منذ زمن غير قريب ، فإن آحاد الإنسان في أفكارهم ليسوا على مستوى واحد ، فمنهم من هو قاصر ، ومنهم من هو متوسط ، ومنهم من هو عال ، ولكلّ منها درجات . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى أن الحدود المقرّرة في الشرائع السماوية كثيرا ما تضاد الشهوات النفسانية والميولات الغريزية ، والمخلص من هذا التضاد هو البناء على إنكار المبدأ الشاعر القادر لا غير . قال أبيقورس أحد زعماء الماديين : إنّ راحة البال التي تقوم بها سعادة

--> ( 1 ) نقله في الشوارق 1 / 126 من كتاب الشفاء لابن سينا . ( 2 ) على اطلال المذهب المادي / 15 . ( 3 ) الأسفار 1 / 210 .