الشيخ محمد آصف المحسني

82

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

وأمّا ما ذكره الفياض من أن الحكماء ينفون القصد دون الاختيار فسوف نتعرّض له تحليلا ونقدا . ثم إنّ الرازي « 1 » منع استناد الممكن القديم إلى الموجب أيضا متمسّكا بأنّ تأثيره فيه إمّا حال بقائه فيلزم إيجاد الموجود ، وإمّا حال عدمه أو حدوثه فيلزم كونه حادثا ، وقد فرضناه قديما . أقول : ما احتج به مدخول بعين ما أجبنا السؤال المتقدّم المشهور ، فإنه هو هو بعينه . وأمّا نفس المدّعى فهو لا يخلو عن وجه سندرسه في مسألة حدوث العالم . ولكن لا بد أن يلتفت الرازي أنّ هذه الدعوى تهدم ما بنى عليه هو وأشياخه الأشعريون وغيرهم من زيادة الصفات الممكنة القديمة القائمة بالواجب الصادرة عنه بالإيجاب والجبر ، وهذه زلّة وذلة وضلة عظيمة منهم في أعظم مباحث التوحيد ، عصمنا اللّه من التخلّف عن السفينة المنجية المحمدية . الخاصّة الرابعة : أن كلّ ممكن زوج تركيبي من الوجود والماهية قال صاحب الأسفار : كما أنّ الضرورة الأزلية مساوقة للبساطة والأحدية ، وملازمة للفردية والوترية ، فكذلك الإمكان الذاتي ، رفيق التركيب والازدواج ، فكل ممكن زوج تركيبي ؛ إذ الماهية الامكانية لا قوام له إلا بالوجود ، والوجود الإمكاني لا تعين له إلّا بمرتبة من القصور ودرجة من النزول ينشأ منها الماهية ، وينتزع بحسبها المعاني الامكانية ويترتب عليها الآثار المختصة . . . فإذن كلّ هوية إمكانية ينتظم من مادة وصورة عقليتين هما المسمّاتين بالماهية والوجود ، وكلّ منهما مضمّن فيه الآخر وإن كانت من الفصول الأخيرة والأجناس القاصية « 2 » انتهى كلامه . وقال في موضع آخر منها : زيادة وجود الممكن على ماهيته ليس معناه المباينة بينهما بحسب الحقيقة ، كيف وحقيقة كلّ شيء نحو وجود الخاص به ؟ ولا كونه عرضا قائما بها قيام الأعراض لموضوعاتها حتى يلزم للماهية سوى وجودها وجود آخر ، بل بمعنى كون الوجود الإمكاني لقصوره وفقره مشتملا على معنى آخر غير حقيقة الوجود ، منتزعا منه ، محمولا عليه ، منبعثا عن إمكانه ونقصه ، كالمشبكات التي يتراءى من مراتب نقصانات الضوء والظلال الحاصلة من تصورات النور « 3 » . انتهى .

--> ( 1 ) لاحظ شرح المواقف ، وشرح التجريد للقوشجي / 77 . ( 2 ) الأسفار 1 / 186 . ( 3 ) الأسفار 1 / 243 .