الشيخ محمد آصف المحسني
42
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
الجزم كما يحصل للبسطاء . فتحصل أنّ إطلاقات أدلة التقليد إنما تنتج جواز التقليد فيما إذا كان المورد قابلا للتعبد ، وكان المقلد - بالفتح - جامعا للشرائط المقرّرة في علم الفقه ، فتأمل جيدا . فالصحيح أن يعنون البحث هكذا : هل يجب تحصيل الجزم من الاستدلال والنظر ، أم يكفي مجرّد الجزم المذكور وإن حصل من التقليد وقول الغير ؟ ثم إنّ أكثر العلماء « 1 » يجعلون النظر شرط تحقّق الايمان ؛ لأنّ الإيمان عندهم عبارة عن المعرفة الحاصلة من الدليل لا التقليد كما ذكره الشيخ الأنصاري « 2 » . نعم ذكر الشيخ الطوسي قدّس سرّه أنه واجب مستقل ولو تركه لمكلف لا يستحق العقاب فإنه معفو عنه ، لكنه ضعيف ، والأقوى هو القول الثاني كما يظهر مما سبق من أنه لا موضوع للحكم الفطري مع الجزم المذكور ، ولا حكم للشرع بتحصيل النظر والاستدلال . والذي يزيد في إيقانك منهأن أكثر الناس ولا سيما أهل البوادي - وبالأخص نساؤهم - لا يقدرون على إثبات العقائد كمباحث التوحيد والنبوّة ونحوهما بالدليل ، فالأمر يدور بين أن يلتزم بتخصيص العمومات التي تمسّك بها المشهور بجمع من المستعدّين ، أو تكفير هؤلاء الناس وإخراجهم عن الإسلام ، وكذا في فرض قدرتهم على الاستدلال فإنّهم يقلّدون آباءهم في ديانتهم بلا دليل . لكن الأول باطل ؛ لأنه يستلزم التخصيص الأكثر المستهجن ، والثاني فاسد بالضرورة . لا يقال : فعلى هذا تلزم معذورية أكثر أهل الملل الفاسدة لصحّة تقلديهم ، قلت : لا بأس بها إذا كانوا قاصرين لا مقصّرين كما أشرنا إليه سابقا أيضا . وأما القول المشهور فاستدلّ له بوجوه : 1 - ما دلّ على تحصيل العلم كقوله تعالى : فاعلم أنه لا إله إلا الله « 3 » والخطاب وان كان للنبي الأعظم صلّى اللّه عليه واله لكن يجري على غيره أيضا لوجوب التأسّي به ، لقوله تعالى : لكم في رسول الله أسوة حسنة « 4 » أو للأولوية . والعلم : هو الجزم الثابت المطابق للواقع . ومثله ما دلّ على طلب العلم ، ووجوب التفقّه في الدين ، ونحو قوله تعالى : ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون « 5 » أي ليعرفون ، وغير ذلك .
--> ( 1 ) القوانين 2 / 172 . ( 2 ) الرسائل 1 / 315 . ( 3 ) محمّد 47 / 19 . ( 4 ) الأحزاب 33 / 21 . ( 5 ) الذاريات 51 / 56 .