الشيخ محمد آصف المحسني
34
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
العقلاء بأسرهم يجزمون بوجوب شكر المنعم ، وقيل « 1 » : إنّه متفق عليه بين الإمامية والمعتزلة ، بل ادّعى بعضهم « 2 » الوجدان والفطرة الذاتية وضرورة جميع أهل الأديان والملل على وجوبه . هذا من ناحية ، ومن ناحيد أخرى أن كل عاقل يدرك أنّ ما به من النعم ليس منه ولا من مثله ، بل هو من منعم غيره فيجب معرفته حتى يتمكّن من شكره ؛ وحيث إنّ المعرفة نظرية لا تحصل إلا بالنظر فوجب النظر والفحص ، فإن مقدمة الواجب واجبة . أقول : إن كان وجوب الشكر لاحتمال زوال النعم بتركه ففيه منع هذا الاحتمال إلّا شذوذا فإنّ الناظر يرى الكفّار والملحدين متنعّمين بالعافية والسعة ، فكيف ينقدح الاحتمال المذكور في ذهنه ؟ وعلى تقدير احتماله فلا نسلّم استحقاقه العقاب الأخرى بتركه النظر والفحص ؛ لعدم اتمام حجّة عليه في ذلك ضرورة أن ما نبّهه عقله بترك الشكر هو زوال النعم الظاهرية فقط ، فافهم جيدا . وإن كان وجوبه لنفسه ولذاته ، بحيث كان تركه قبيحا في نفسه ، ففيه : أولا : ما ذكرناه من عدم استلزام استحقاق الذم استحقاق العقاب ، فإنّ الأول لا ينهض حجّة على الثاني مع أنه العمدة في المقام ، فتأمّل . وثانيا : إنّ وجوب شكر المنعم لا يستلزم وجوب المعرفة لكفاية التخضّع قلبا للمنعم وإن كان مجهولا بأوصافه فيسقط الدليل . وثالثا : ما أفاده بعض الأعيان من أهل التدقيق « 3 » بقوله : ثم إن أصل وجوب الشكر عقلا بحيث يستحق العقاب على تركه لا يثبت إلّا بإدخاله تحت قاعدة التحسين والتقبيح العقليين ، ومن البين عند التأمل أن شكر المنعم علما وحالا وعملا « 4 » وإن كان تعظيما للمنعم وإحسانا إليه ، إلّا أنه لا يثبت به إلّا مجرّد الحسن واستحقاق المدح على فعله بمراتبه ، وليس ترك كل إحسان ولا ترك الإحسان إلى المحسن ظلما عليه . نعم الاسائة خصوصا إلى المحسن ظلم ، فيشتدّ قبحه بالإضافة إلى المحسن اليه . فالجهل بالمنعم ، أو عدم التخضع له قلبا ، أو عدم القيام خارجا بوظائف المجازاة بالاحسان ، ليس إلّا ترك ما حسن بذاته ؛ إذ ليس من هذه الحيثية عقلا فرق بين منعم ومنعم ، والأمر في غيره تعالى كذلك ، ففيه أيضا من هذه الحيثية على ما مرّ ، مضافا إلى أن الاستناد في تحصيل المعرفة إلى وجوب شكر المنعم عقلا إنّما يجدي بعد الفراغ عن
--> ( 1 ) منهاج البراعة للخوئي 2 / 274 . ( 2 ) كفاية الموحدين 1 / 7 . ( 3 ) نهاية الدراية في شرح الكفاية 2 / 155 ، ج 3 ص 48 طبعة الحديثة . ( 4 ) يريد بالأول معرفة المنعم ، وبالثاني تخضّع القلب له ، وبالثالث صرف النعمة لما خلقت لأجله ، كما صرّح به نفسه .